المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٦٠
فما أشد سخافة رأي أهل الظن و التخمين، حيث يزعمون يوم القيامة بعيدا عن الإنسان بحسب الزمان، و ما أظن الساعة قائمة و بحسب المكان" وَ يَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ".
و أما أهل العلم و اليقين فيعدونه قريبا بحسب الزمان" اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ".
أو بحسب المكان، وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ" يوم يَرَوْنَهُ بَعِيداً، وَ نَراهُ قَرِيباً".
و كان نبينا ص، يشاهد خازن الجنة و يناول بيده من ثمارها و فواكهها، و لم يحكم بكون حارثة مؤمنا حقيقيا ما لم يكن مشاهدا للأمور الأخروية و أحوالها، إذ قال:" أصبحت مؤمنا حقا" قال ص، لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال: رأيت أهل الجنة يتزاورون، و رأيت أهل النار يتعاورون، و رأيت عرش ربي بارزا. قال ص: أصبت فالزم.
فإذا ثبت و تحقق ما ذكرناه، اتضح و استبان منه فساد بعض من المذاهب السخيفة و الآراء الباطلة في هذا الباب، مثل رأي من زعم أن الجنة و النار لم توجدا بعد و لا توجدان إلا بعد بوار العالم و هلاك السماوات، و لم يعلموا، أن هذا الاعتقاد يبعد صاحبه عن طريق الآخرة و يقلل رغبته في ثواب الأعمال و جزاء إحسانه، و يقلل خوفه و رهبته من عقوبة معاصيه و سيئاته.
و إليه أشار بقوله تعالى" إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَ نَراهُ قَرِيباً، و بقوله" أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ".
و كذا رأي من يرى و يعتقد خلود أهل الكبائر في النار و انسداد رحمة الله و انقطاع غفرانه عن المجرمين. و لم يعلموا أن الرحمة واسعة و المغفرة سابقة و القصور منا.
و لم يتفطنوا بأن هذا الرأي مما يقنط به الإنسان من رحمة الله تعالى، و يقلل الرغبة و الرهبة في نعيم الجنان و عذاب النيران.
و قلة الرغبة و الرهبة يبعد الطريق إلى الله تعالى و ملكوته على الطالبين له و القاصدين