المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٤٧
و ما أورد من إثبات مكان لهما في هذه الدار، فهو حكم بعض نشئاتهما الجزئية النسبية، فإنهما متى أخذنا من حيث كون إحداهما علوا و الأخرى سفلا، يقال: الجنة فوق السماء السابعة، و النار تحت الأرض السفلى. و إذا أخذنا من حيث بعض صفاتهما و دقائقهما، فالجنة حيث يتبع النيل و الفرات، و النار حيث منبعث الحرور و الزمهرير، و لا يستحيل كونهما في أمكنة متعددة في حين واحد، و لا في أمكنة ضيقة، لأن حكم الإنشاء النسبي لا ينافي هذا، فإن الشيء الواحد في حالة واحدة يمكن أن ينسب إلى أمور متخالفة باعتبار الوجود الإضافي دون الحقيقي.
و يمكن أن يجامع مع ضده من هذه الحيثية كما أومأنا إليه، كيف و المتضاد أن لا يكونان متضادين من جميع جهاتهما و اعتباراتهما، بل بحسب بعض الجهات و الاعتبارات، كالماء و النار، فإنهما لا يتضادان من كل الوجوه بل يتوافقان من بعض الوجوه، فمتى أنشأت النار أو أخذت من جهة من الجهات المتوافقة، ككونهما موجودين في العقل، لم يمتنع اجتماعهما مع الماء و تحققهما فيه، كما أشير إليه في قوله تعالى:" أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً".
فإن قلت: نحن لا نفهم الإنشاء النسبي للجنة و النار.
قلنا: ليس عندنا ما نفهمك حقيقة ما ذكرنا إلا هذه العبارات المجملة الواضحة معناها لمن هو أهله و مستحقه أو مثالا، أو حكاية يزيدك إشعارا و تفهما و إن لم يزدك شعورا و فهما.
أما المثال فكالمرآة في وجود الصور المحسوسة فيها لمن قابلها، فكذلك حكم المظاهر الجزئية للجنة و النار، فكما أن ما بين قبر الرسول" ص"، و بين منبره روضة من رياض الجنة، بالقياس إلى كشفه" ص" و شهوده إياها، كمرآة مجلوة نشاهد الصور فيها لمن قابلها ضربا من المقابلة، فكذلك بعض المواضع المذكورة بمزلة المرائي المنكشفة فيها بالقياس إلى بعض أصحاب الكشف و الشهود. و أما الحكاية فقد رأينا في بعض كتب التواريخ، أن أحدا من الرجال دخل بستانا فرأى رأسا من رءوس الناس معلقة عن الأشجار مكان الثمار، فقيل له: إنها رءوس ملائكة الذين اعتوروه واحد بعد واحد.