المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٤٠
يقدر عليه أن يدركها بالقوة الحساسة، لأن هذه روحانية في عالم الغيب و تلك جسمانية في عالم الشهادة. لأنها يدرك محسوساتها في الجواهر الجسمانية من خارج، و أما القوة المتخيلة، فهي تصورها و تخيلها في الداخل و الدليل على ذلك أفعال الصنائع البشرية المستنبطة أولا من الباطن، فإن كل صانع يبتدي أولا يتفكر و يتخيل و يتصور في فهمه صورة المصنوع بلا حاجة إلى شيء من خارج، كالمصالح و الآلات و الموضوعات المكانية و الزمانية، ثم يقصد بعد ذلك إلى هيولى ما، في مكان ما، في زمان ما، و تحريكات ما، فالصانع يخترع في صقع من خياله صورة الصناعة بلا حركة و تعب و إعياء، ثم يتبع صورته التي في صقع خياله الصور التي هي في الموضوع الجسماني، ففعلها الخاص الذي يصدر عنها و يقوم بها على وجه تكون عنها و فيها شيء واحد، أي كونها فاعلة و قابلة له هما حيثية واحدة، فيها هي أمور غيبية مستورة عن الحواس و عالمها غير هذا العالم الحسي، لأن القوة الخيالية بمنزلة كوة إلى عالم الغيب، كما أن الحواس الظاهر بمنزلة رواش مختلفة إلى عالم الشهادة.
و قد مر مرارا، أن اشتغال النفس باستعمال الحواس الظاهرة و القوة المتحركة يمنعها عن مشاهدة الصور الباطنية عيانا، و إلا فتلك الصور أشد جلاء و وضوحا و أقوى جوهرا و وجودا من هذه الصور الحسية المغمورة في المواد المظلمة الجرمية.
هكذا قياس القوة العقلية بالنسبة إلى حقائق المعقولات، فإن العقل الهيولاني لكونه ألطف المواد على الإطلاق، يكون قياس الصور العقلية و سرعة انفعاله عنها و قبوله إياها هذا القياس، و كذا نسبة لطافة تلك الصور و شرافتها و جلائها ظهورا و وضوحا و قوامها و تجوهرها قوة و وجودا، فالإنسان حين كونه عقلا مستفادا، يقدر أن يتصور صورا عقلية باتصال بالعقول الفعالة المبدعة للمعقولات المستقلة الوجود، إلا أنه ما دام اشتغاله بالبدن و نشئاتها الحسية الدنياوية لا يمكنه أن يحضر معقولاته المستقلة الوجود مشاهدة إياها مشاهدة خارجية، بل يشاهدها الآن مشاهدة ذهنية، كمشاهدة الأشياء خلف حجاب، كهواء مغبرة كثيف، أو ماء كدر. و كذلك عامة الناس و جميع البشر لا يمكنهم و لا رخصة لهم في مشاهدة حال المحشر و صور النشأة الآخرة و شهود الجنة و النار، و سائر ما وعدهم الله و رسوله حقا ما داموا في الدنيا، لأنها أمور باطنية غيبية و قد غلب على أكثر الناس هذه النشأة الدنياوية و طرت عليهم الغفلة و النسيان عن أمور القيامة و أحوال