المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٢٨
و أما إجماله فإنما يستعلم بملاحظة أن النفس الناطقة الإنسانية لكونها من سنخ الملكوت في عالم القدرة و القوة، لها قدرة على اختراع الصور، لكن الصور التي يخترعها حين تعلقها بهذا البدن الترابي الكثيف المادي المركب من الأضداد، ليست إلا ضعيفة الوجود، لا يترتب عليه الآثار المطلوبة الخارجية، و لا يكون ثابتة أيضا، بل يكون متغيرة، لأن مظهرها القوة الخيالية. و هي دائمة التحلل و الانتقال و التجدد و الزوال حسب اختلاف أمزجة محلها بسبب ما يرد عليها من المشوشات و المتغيرات الخارجية و الداخلية، فإذا فرض أحد هذه الصور بحيث يكون وجودها أقوى و بقاؤها أدوم، فلم يكن حينئذ فرق بينها و بين الخارجية حيث يترتب عليها آثارها المطلوبة منها.
أ و لا ترى أنه كلما استراحت النفس من الاشتغال الضرورية و الحركات اللازمة لحفظ البدن المجتمع من الأمور المتنافرة المتداعية إلى الانفكاك و تعطلت حواسها الظاهرة و احتبست عن استعمالها و الاشتغال بها إما بالنوم أو بتوجهها إلى الجنة العالية، بقوة في ذاتها، فطرية أو كسبية، اغتنمت الفرصة، و رجعت إلى ذاتها الملكوتية الفياضة للصور، فأصبحت مخترعة للصور، مشاهدة إياها بحواسها التي لها في ذاتها بلا مشاركة البدن.
فإن الإنسان في حالة النوم أو الإغماء، يبصر و يسمع و يذوق و يشم و يلمس مع أن حواسه الظاهرة معطلة عن إدراكها.
فعلم أن للنفس بصرا و سمعا و ذوقا و شما و لمسا في ذاتها من دون الحاجة فيها إلى البدن، بل هي أتم و أصفى من التي في البدن إذا لم يكن هذه عائقة للنفس عن استعمالها إياها، كما مر ذكره.
و كما أن حواس البدن كلها يرجع إلى حاسة واحدة و هي الحس المشترك، فجميع حواس النفس و قواها يرجع إلى قوة واحدة، هي ذاتها النورية الفياضة، و يصير حال رجوعها من هذا العالم إلى ذاتها إدراكها للأشياء عين قدرتها عليها، فيكون علمها فعلا و حسها قدرة. ثم أ و لا ينظر و لا يتحدس بأن النفس كلما كانت أتم قوة و أقوى جوهرا و أقل مزاحمة و معاوقة من قواها إما لفتورها و ضعفها كما للمجانين و المرضى أو لقوتها خيرة كانت كما للأنبياء و الأولياء، أو شريرة، كما للكهنة و السحرة، كانت ملاقاتها للصور العينية و مشاهدتها إياها، أقوى، و ترتب آثار الوجود على صورها المشهودة إلذاذا و إيلاما أكثر، مع بقاء تعلقها بالدنيا و البدن، و ذلك لقوتها بحيث يفي بضبط