المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٢٦
أهل الجنة من العقول السازجة و النفوس الساكنة.
و لذلك ذكر صاحب الإحياء بعد ذكر الوجوه الثلاثة المذكورة في وجود ما يوعد في الآخرة كلاما بهذه العبارة:
" و جميع هذه الأقسام ممكنة فيجوز أن يجمع بين الكل، و يجوز أن يصيب كل واحد بقدر استعداده.
فالمشعوف بالتقليد و المجمود على الصورة لم ينفتح له طريق الحقائق و لا يتمثل له الصور العقلية.
و العارفون المستصغرون لعالم الصور و اللذات المحسوسة، يفتح لهم لطائف السرور و اللذات العقلية ما يليق بهم، و يشفي شرههم و شهوتهم، إذ حد الجنة أن فيها لكل امرئ ما يشتهيه، فإذا اختلفت الشهوات لم يبعد أن يختلف العطيات و اللذات.
و القدرة واسعة، و القوة البشرية عن الإحاطة بعجائب القدرة قاصرة، و الرحمة الإلهية ألقت بواسطة النبوة إلى كافة الخلق، القدر الذي احتملت أفهامهم، فيجب التصديق بما فهموه، و الإقرار بما وراء منتهى العلم، من أمور يليق بالكرام الإلهيين".
انتهى قوله.
و الوجه الثاني أن يكون هذه الأمور كناية عما يلزمها من مطلق العذاب و السرور، و بين بعضهم هذا بأن الحية بنفسها لا تولم، بل الذي تلقاك منها هو السم، ثم السم ليس هو الألم بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك من السم، فلو حصل مثل ذلك الأثر من غير سم، لكان العذاب قد يؤثر و كان لا يمكن تعريف ذلك النوع من العذاب إلا بأن يضاف إلى السبب الذي هو يفضي إليه في العادة، فإنه لو خلق في الإنسان لذة الوقاع مثلا من غير مباشرة صورة الوقاع، فإنه لم يمكن تعريفها إلا بالإضافة إليه، ليكون الإضافة كالتعريف بالسبب، و يكون ثمرة السبب حاصلة و إن لم يحصل صورة السبب، و السبب يراد لثمرته لا لذاته.
و هذه الصفات المهلكات ينقلب موذيات و مولمات في النفس عند الموت، فيكون آلامها كآلام اللدغ من غير وجود حيات، و انقلاب الصفة موذية يضاهي انقلاب العشق موذيا عند موت المعشوق، فإنه كان لذيذا، فصار اللذيذ بنفسه مولما حتى تنزل بالقلب من أنواع العذاب ما يتمنى معه أنه لم يكن قد تنعم بالعشق و الوصال، بل هذا بعينه هو أحد أنواع عذاب الميت.
المقام الرابع في الاعتقاد بيوم المعاد و الصور الموعودة الموجودة في الآخرة على ما هو