المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٢٥
في القوة الباصرة و لا يخطر بباله شيء يميل إليه إلا و يوجد له في الخيال بحيث يراه، و إليه الإشارة بقوله ع: إن في الجنة سوقا يباع فيه الصورة. و السوق عبارة عن اللطف الإلهي الذي هو منبع القدرة على اختراع الصور بحسب الشهوة، و هذه القدرة أوسع و أكمل من القدرة على الإيجاد من خارج الحس.
فحمل أمور الآخرة على ما هو أتم و أوفق للشهوات أولى، و لا تنقص رتبتها في الوجود اختصاص وجودها في الحس و انتفاء وجودها من خارج، فإن وجودها مراد لأجل حظه، و حظه من وجوده في حسه، فإذا وجد فيه فقد توفر حظه، و الباقي فضل لا حاجة إليه و إنما يراد، لأنه طريق المقصود، و قد تعين كونه طريقا في هذا العالم الضيق القاصر، أما في ذلك العالم، فيتسع الطريق و لا يتضيق.
و أما الوجود الثالث العقلي، فهو أن يكون هذه المحسوسات أمثلة للذات العقلية التي ليست بمحسوسة، فإن العقليات تنقسم إلى أنواع كثيرة مختلفة كالحسيات، فيكون هي أمثلة لها، كل واحد مثالا للذة أخرى، مما رتبته في العقليات يوازي رتبة المثال في الحسيات.
المقام الثالث في الاعتقاد بما ورد في الشريعة من نحو وجود الصور الأخروية، و هو أنها عقلية محضة و توجيهه بوجهين:
أحدهما أن يكون تلك الصور المحسوسة إشارة إلى صور روحانية عقلية واقعة في العالم العقول الصرفة حسبما ذهب إليه" أفلاطون" من أن لكل نوع من الأنواع المحسوسة مثال عقلي في عالم العقول، و المراد من المذكورة في الكلام الغزالي، في بيان الوجود الثالث للذات الموعودة في الجنة و فصله بقوله: فإنه لو رأى أحد في المنام الخضرة و الماء الجاري و الوجه الحسن و الأنهار و الأمطار الممطرة باللبن و العسل و الخمر و الأشجار المزينة بالجواهر و اليواقيت و اللآلي و القصور المبنية من الذهب و الفضة و الأسورة المرصعة بالجواهر و الغلمان المتماثلين بين يديه للخدمة، لكان المعبر يعبر ذلك بالسرور، و لا يحمله على نوع واحد، بل كل واحد يحمله على نوع آخر من السرور، و يرجع بعضه إلى سرور العلم و كشف المعلومات و بعضه إلى سرور المملكة، و بعضه إلى مشاهدة الأصدقاء، و إن اشتمل الجميع اسم اللذة و السرور، فهي مختلفة المراتب، مختلفة الذوق، لكل واحد مذاق يفارق الآخر. فكذلك اللذات العقلية ينبغي أن يفهم كذلك، و إن كانت" مما لا عين رأت، و لا أذن سمعت، و لا يخطر على قلب بشر" و لا يخفى أن إدراك اللذات الأخروية على هذا الوجه العقلي مختص بأهل المعرفة و الكاملين في العلوم دون أكثر