المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٢٤
المحسوس، على أن الأخرى أشد استقرارا من الموجود في المنام بحسب العوائق و تجرد النفس و صفاء القابل. و ليست الصور التي ترى في المنام بل و التي تحس في اليقظة كما علمت إلا المرتسمة في النفس، إلا أن أحدهما يبتدئ من باطن و ينحدر إليه، و الثانية يبتدئ من خارج و يرتفع إليه. فإذا ارتسم في النفس تم هناك الإدراك المشاهد، و إنما يلذ و يؤذي بالحقيقة هذا المرتسم في النفس، لا الموجود في الخارج. و كلما ارتسم في النفس فعل فعله، و إن لم يكن له سبب من خارج، فإن السبب الذاتي هذا المرتسم و الخارج هو سبب بالعرض أو سبب السبب.
فهذه هي السعادة و الشقاوة الحسيتان بالقياس إلى الأنفس الخسيسة، و أما الأنفس المقدسة، فإنها تبعد عن مثل هذه الأحوال، و يتصل بكمالها بالذات، و تنغمس في اللذة الحقيقية، و تبرأ عن النظر إلى ما خلفها و إلى المملكة التي كانت لها كل التبرؤ، و لو كان بقي فيها أثر من ذلك اعتقادي أو خلقي، تأذت به و تخلف لأجله عن درجة عليين إلى أن ينفسخ. انتهت عبارته.
و أما ما يدل على أن هذا مختار الشيخ الغزالي، قوله في بعض مسفوراته: إن اللذات المحسوسة الموعودة في الجنة من أكل و نكاح، يجب التصديق بها لإمكانها، و اللذات كما تقدم حسية و خيالية و عقلية.
أما الحسي فلا يخفى معناه و إمكانه في ذلك العالم كإمكانه في هذا العالم، فإنه بعد رد الروح إلى البدن، و قام البرهان على إمكانه.
و أما الخيالي فلذة كما في النوم، إلا أن النوم مستحقر لأجل انقطاعه، فلو كانت دائمة لم يظهر الفرق بين الخيالي و الحسي، لأن التذاذ الإنسان بالصورة من حيث انطباعها في الخيال و الحس، لا من حيث وجودها في الخارج، فلو وجد في الخارج، و لم يوجد في حسه بالانطباع، فلا لذة له، و لو بقي المنطبع، و عدم في الخارج، لدامت اللذة.
و للقوة المتخيلة قدرة على اختراع الصور في هذا العالم، إلا أن الصورة المخترعة متخيلة و ليست محسوسة و لا منطبعة في القوة الباصرة، فلذلك لو اخترع صورة جميلة في غاية الجمال، و توهم حضورها و مشاهدتها، لم يعظم سروره، لأنه ليس يصير مبصرا كما في المنام، فلو كانت للخيال قوة على تصويرها في القوة الباصرة، كمالها قوة تصويرها في المتخيلة، لعظمت لذته، و تنزل منزلة الصورة الموجودة من الخارج، و لم يفارق الدنيا و الآخرة في هذا المعنى إلا من حيث كمال القدرة على تصويرها الصور