المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٢٢
في الابتداء، فكذلك هو الذي يعيد الخلق إذا يشاء، كما ذكر آيات كثيرة في هذا الباب، منها قوله:" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ..." الآية.
و في قوله:" أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ" حيث ذكر بلفظ الإنشاء، إشعارا بأن فعلكم الغرس و أمثاله من الحركات دون الإنشاء أي الإيجاد، و كذا في قوله:
" أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ" لم يقل، أنتم تنزلون، لأن الإنزال فعلهم دون الخلق، و هكذا في كثير من الآيات.
و منها، أن الحشر و البعث إما للبعض أو للجميع، و الأول ترجيح من غير مرجح، لأن استحقاق الثواب و العقاب مشترك في كل الناس، فلا وجه لبعثه البعض دون البعض، و الثاني يوجب التزاحم و التضايق المكاني و الزماني لجمع الناس و حسابهم و كتابهم، كما قال الله تعالى حكاية عنهم:" أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَ وَ آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ" فأزال الله تعالى هذا الاستبعاد و الاستنكار بقوله تعليما لنبيه ص:" قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ" فنبه عباده بأن ميقات البعث و الحشر يوم معلوم له تعالى لا يصلح إليه لأن يصل أفهام المحجوبون في حياة هذه النشأة المقيدين بأزمنة هذه الدنيا و أمكنتها، لأن ذلك اليوم ليس من جنس أيام الدنيا، و المحشر الذي يبعث فيه الخلائق ليس من أمكنة هذا الأرض و السماء، و ليس يصلح الإدراك الأمور الآخرة هذه المشاعر و الحواس.
و إنما ينكشف لمن يكشف في هذه الدنيا من الأنبياء و الأولياء بواسطة غلبة سلطان الآخرة على قلوبهم، لرفضهم استعمال هذه المشاعر و الحواس في مشتهياتها و لذاتها بموتهم الإرادي عن زخارف هذه الحياة الدنيا لنيل مآرب الحياة الأخروي، كما قال رسول الثقلين، عليه و آله الصلوات: موتوا قبل أن تموتوا. أي عطلوا هذه الحواس عن الإحساس، لينفتح منكم مشاعر إدراك الأمور الآخرة قبل موتكم الطبيعي.
و قال بعض الحكماء مشيرا إلى هذا المعنى: الناس يقولون افتح عينك لترى، و أنا أقول غمض عينك لترى، و قال بعضهم أيضا رامزا إلى هذا: من أراد أن يتنور بيت قلبه، فليسدد الروازن الخمس.