المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٢١
الأجزاء حتى يطلبها، و من الذي يقدر على جمعها بعد تفرقها في الجهات و الأنحاء و أطراف الأرض و السماء؟
فالحق سبحانه أزال هذا الاستبعاد بأنه، هو الذي يعلم تلك الأجزاء و علمه محيط بذرات الأرض و أجزاء السماء، و عنده كتاب محفوظ فيه كل شيء، و هو القادر على رجعها و جمعها مرة أخرى، و أنها كانت متفرقة في المرة الأولى يجمعها، ففي المرة الثانية لا يخرج عما في قدرته و تصرفه من الأرض و السماء، و كذلك ينزل من السماء ماء مباركا، يفيد الإنبات و الإحياء، لما في الأرض بأن يجمع أجزاء متفرقة متشتتة جدا، فكذلك و بمثل ذلك يكون الخروج و البعث و الجمع ثانيا.
فبهذا يظهر أن هذا الاستبعاد إنما هو عناد و تكذيب للرسل الأفاضل العالمين بأسرار العالمين، كما هو عادة الجهلة المتفلسفة.
و منها، ما تشبث به أكثر المنتسبين إلى الطبيعيين المتشبهين بالفلاسفة الدهريين، أن حدوث الإنسان و غيره من المركبات العنصرية لا يكون إلا من الأسباب الأرضية الاختيارية أو الطبيعية، كالأب و الأم. و النطفة لوجود الإنسان، و كالحرث و الزرع و البذر و الغرس لوجود الأشجار و البساطين.
ثم لا يمكن حدوث هذه الأشياء إلا بحركات كثيرة فلكية و غيرها و تغيرات و انقلابات زمانية و مكانية يحتاج إلى مضي أزمنة طويلة، و ذلك لأن هذا مبلغهم من العلم حيث لم ترتق نظرهم من الأسباب الطبيعية إلى أسباب القصوى الإلهية، و لم يعرجوا في ملاحظة الأفاعيل من القوى الطبيعية و الاختيارية الحيوانية التي ليست إلا الإعداد و التحريك و التهيئة إلى ملاحظة فعل الله تعالى الذي هو مجرد الإفاضة.
فلما احتجبت أنظارهم بالأفاعيل التحريكية التغيرية عن الفعل الحقيقي الذي هو نفس إفاضة الوجود، لا جرم أنكروا طريق الوجود و الإيجاد إلا على نهج التحريك و الإعداد و الاستعداد.
فالحق تعالى أزال هذا الاستبعاد عن ضمائرهم بأن الله هو القادر على كل شيء" و أنه هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ" و أن الوجود في كل شيء هو فعله تعالى و ما توهمتموه أنه فعلكم، فليس لكم فيه إلا الحركات و الإرادات دون الصنع و الإيجاد، فكما أنه هو القادر