المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٦
أمعن في كلامهم و تفطن أنهم قائلون بالأمور الثلاثة على وجه دقيق لا يفهمه الجمهور لما في عقولهم و مداركهم من القصور، رجع و تاب و استقر رأيه و مذهبه على ما هو رأيهم و مذهبهم.
و أما الذي نسب إليه هذا القائل من الاكتفاء بأحد الوجوه الخمسة في باب الاعتقاد بالأمور الإيمانية و الأحكام الإلهية فيما جاء به الكتاب و السنة و أتى به الرسول" ص" على الأمة فلم أجده في كلامه على هذا الوجه الذي ذكره هذا القائل، و لعله مما كان له وجه وجيه لا يرد عليه شناعة بعد التأمّل و النظر فيه.
نعم ربما ذهب إلى ما ذهب إليه الإشراقيون من الحكماء من أن النفوس المفارقة عن الأبدان العنصرية لا يخلو عن خمسة أقسام، لأنها إما أن يكون كاملة في الحكمتين العلمية و العملية، أو متوسطة فيهما، أو كاملة في العلمية دون العملية أو في العملية دون العلمية أو فيهما.
فالأول، من السابقين المقربين، و الثلاثة المتوسطة من المتوسطين و أصحاب اليمين، و الخامس من أصحاب الشمال.
و عند المعاد يتخلص الأول إلى عالم النور، و المتوسطون ينقلون بأبدان مثالية مناسبة لأخلاقهم و هيئاتهم النفسانية، و مظاهر تلك الأبدان الأفلاك الجسمانية ثم المثالية و هي مرتقية عن أول الأوائل إلى أعلاها، ثم العالم العنصري الذي فيه" جابلقا" و" جابرصا" ثم إلى" هورقليا" أفلاك عالم المثال مترقيا إلى الأعلى و للقائلين بهذا في الخصوصيات مذاهب شتى.
و أما الخامس، و هو الناقص في العلم و العمل، إذا قطع تعلقه عن البدن العنصري الإنساني على قول منكري التناسخ، يتعلق بأبدان حيوانية مثالية مناسبة للأخلاق الحيوانية، كالنمل، للحريص و الخنزير، للشره، و يتردد في تلك الأبدان معذبا حتى يزول عنه الهيئات، و حينئذ يتخلص إلى الأبدان الإنسان في عالم عناصر المثال و أفلاكها.
و مذهب المشائين و خصوصا ما نقله و استحسنه الشيخ من أحد تلاميذ أرسطو، و كأنه هو" ثامسطيوس" قريب من هذا المذهب، حيث يرى أن المواعيد النبوية من الجنة و النار و عذاب القبر و غيرها، صور مشهودة في عالم غير هذا العالم و إن افترقا من كون ذلك العالم عالم المثال المنفصل الخارجي عند الإشراقيين و عالم الخيال المتصل