المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٨١
على طور أهل البحث و نطقهم البحثي و كلامهم البشري.
فلا يتصور أن يحيط به أحد ما دام كونه متعلق القلب بالدنيا، و لم يتخلص عن أسرار الوهم و تغليطه.
و من جملة هذه الأشياء التي لا يمكن أن يصل إلى معرفتها الإنسان بفطانة البتراء، و بصيرته الحولاء، بل إدراكه يحتاج إلى ولادة ثانية و فطرة مستأنفة و طور آخر من العقل، هي أمور القيامة و أحوال الآخرة، لأنه يستحيل جواب السائل عنه على وجهه ما دام السائل مشتغل القلب بالدنيا، مسحورا بسحر الطبيعة. و قول الكفار" مَتى هذَا الْوَعْدُ*" سؤال عما يستحيل الجواب عنه على موجبه، و وجهه، فإن أمر الساعة إذا كان" كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ" و كان متى سؤال عن الزمان، فاستحال الجواب عنه، و هو كقول الأكمه إذا وصفنا له المبصرات المتلونة، فقال كيف تذوق أو تشم. هذه الألوان التي وصفتموها.
و الجواب الحق من ذلك، أن علم المبصرات عند القوة الباصرة، فهكذا الجواب الحق مع الكفار إذا قالوا: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين. أن يقال لهم: إن العلم بذلك يكون عند الله، فمن رجع إلى الله عز و جل و حشر و كان عنده، فلا بد أن يعرف حينئذ حقيقة الساعة بالضرورة، لأنه عنده، و عنده علم الساعة.
فإذن ثبت و تحقق ما روي في الخبر: أنه لا يقوم الساعة و على وجه الأرض من يقول: الله الله. فإن من كان بعد على وجه الأرض، لم يحشر بعد إلى الله تعالى.
فعلم ما ذكر أن أكثر أحوال الآخرة أسرار غيبية يجب الإيمان بها تقليدا لمن لم يكن له قدم راسخ في المعارف الإلهية و الأسرار القيومية، و لا يمكنه أن يتجاوز عن استجلاء نظر الخلق و حب الرئاسة و الاستيلاء على مآرب الدنيا و الشهرة عند الناس، لكن أكثر من رزق فطنة زكية يقوى بها على المباحثة و الاستدلال، لا يكتفي بالتقليد الذي يحصل به نوع من النجاة عن الضلال و الإضلال و الوبال في المآل، بل يتشرف على شيء فوقه و يكثر تعبه في طلبه آناء الليل و أطراف النهار و يصرف عمره في تزايد النظر في المؤلفات و تكرير التأمّل فيها، فالأولى لمثله إذا اشتاق إلى أن يفهم المطالب العلمية بالبرهان اليقيني