المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٩
لقائل أن يقول: إن كثيرا من المواد التي لها مزاج خاص و كيفية قريبة من المزاج الإنساني، أولى و أليق من تلك الأجزاء بأن يكون مورد تعلق النفس، و كل من رجع إلى وجدانه يعلم يقينا أن لا تشوق و لا التفات للنفس بجسم من الأجسام، أو أجزاء متفرقة من بين غيرها.
و لا يجوز أن يتعلق بجسم من بين سائر الأجسام، أو أجزاء مخصوصة من بين سائر الأجرام أو أجزاء مخصوصة من بين سائر الأجزاء التي هي اشتركت معها في الهيئات و الصفات من بين غيرها، إلا بأن يكون لها كيفية محسوسة أو هيئة خاصة.
و أي تعلق و تشوق يكون للنفس بأجزاء مبثوثة في الهواء أو مغمورة في الأرض أو متصلة بالهواء، بحيث لا يتميز عند الحس أو النفس عن غيرها من الأجزاء أو النفس، و إن كانت متميزة عن غيرها في نفس الأمر و في علم الله تعالى، لكن هذا لا يكفي لرجحان تعلق النفس بها، و ليس أيضا عند انحلال التركيب و فساد القوى البدنية قوة ذاكرة للنفس عندهم، حتى يكون بقاء البدن الشخصي في الذكر مخصصا لتعلق النفس به ثانيا، و بعد تسليم وجود الذكر، يكون الذكر مخصصا لتعلق هذه النفس بهذا البدن المعادي دون سائر الأبدان، لا لتعلق هذه النفس دون نفس أخرى به.
و الذي ينفع في الجواب عن لزوم مفسدة التناسخ على تقدير صحته هو الثاني دون الأول، إذ الكلام في كون مادة بدنية حادثة مستدعيا لفيضان نفس حادثة، فيلزم وجود نفسين لبدن واحد، و هو آت بعينه هاهنا كما في باب التناسخ على ما سبق من غير تفاوت، فإن الأجزاء المتفرقة ليس لها تخصص و امتياز، بل لا يصدق عليها أنها هي التي كانت بدن زيد، أو أجزاء بدنه، إلا بضرب من التجوز، فإن بدنية زيد و كذا جزئيته من الأمور الإضافية التي لا يتحقق إلا مع وجود زيد، و قد عدم. و كما أن زيدا عدم بالموت، فهكذا يده من حيث هي- يد- له، و كذا رجله و رأسه و سائر أعضائه مع أنها لم يتفرق بعد، فلم يبق رابطة بين البدن الذي كان موجودا، و الذي سيوجد من جانب الأجزاء المادية أصلا.
فالمصير في دفع مفسدة التناسخ إلى ما ذكرناه سابقا مما تفردنا ببيانه، و جعله الله قسطي من الحكمة المتعالية و المعرفة الدينية، كسائر نظائره التي ألهمني الله بها بفضل فيضه و إحسانه و مزيد لطفه و امتنانه، و هي الزواهر من الفرائد التي يعرف نوريتها و شرفها