المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٧١
و في الخبر أيضا:" لا يسعني أرضي و لا سمائي، و وسعني (١) قلب عبدي المؤمن".
و الحاصل أنه إذا ارتفع هذه الحجب و الموانع عن قلب الإنسان الذي هو نفسه الناطقة، تجلى فيه صورة الملك و الملكوت و هيئة الوجود على ما هي عليه، فيرى ذاته في جنة عرضها السماوات و الأرض.
و أما جملتها فأكثر سعة من السماوات و الأرض، لأنهما عبارة عن عالم الملك و الشهادة، و هو محدود متناه.
و أما عالم الملكوت و الحقائق العقلية، و هو الأسرار الغائبة عن مشاهدة الحواس المخصوصة بإدراك البصيرة العقلية فلا نهاية لها، و جملة عالم الملك و الملكوت إذا أخذت دفعة تسمى حضرة الربوبية، لأن الله محيط بكل الموجودات، إذ ليس في الوجود سوى ذات الله و أفعاله و مملكته من أفعاله.
فما يتجلى من ذلك للقلب هو الجنة بعينها عند قوم، و هو سبب استحقاق الجنة عند آخرين، و يكون سعة المملكة في الجنة بقدر سعة المعرفة و بمقدار ما يتجلى للإنسان من الله و صفاته و أفعاله، و إنما مراد الطاعات و أعمال الجوارح (٢) كلها تصفية النفس و تزكيتها و جلاؤها بإصلاح الجزء العملي منها" قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها، وَ قَدْ خابَ (٣) مَنْ دَسَّاها" و نفس التزكية و التصفية ليست كمالا و زينة، لأنها أمر عدمي، و الأعدام ليست من الكمالات، بل المراد منها، حصول أنوار الإيمان، أعني إشراق نور المعرفة بالله و أفعاله و كتبه (٤) و رسله و اليوم الآخر، و هو المراد بقوله تعالى:" فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ... فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ (٥) رَبِّهِ".
فصل في بيان السعادة و الشقاوة الحسيتين في الآخرة دون العقليتين
اعلم أن الأنفس الجاهلة جهلا بسيطا دون ما هو مضاد للحق إن كانت خيرة و لم