المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٠
الفحل و الأنثى. ثم كما أن من أراد أن يستنتج رمكة (١) لم يمكنه ذلك من حمار و بقرة بل من أصل مخصوص هو الفرس الذكر و الأنثى إذا وقع ازدواج مخصوص بينهما، فكذلك كل علم فله أصلان مخصوصان و بينهما طريق في الازواج يحصل من ازدواجهما العلم المستفاد المطلوب، فإن لكل شيء ممكن علة مخصوصة، و لا يمكن حصول ذوي العلل إلا من طريق عللها و أصولها، و كذا العلم بها، فالجهل بأصول المعارف و بكيفية الازدواج و الترتيب هو المانع من العلم و مثاله في المرآة هو الجهل للجهة التي فيها الصورة و عدم التوجه- عدم محاذاتها إلى تلك الجهة، بل مثاله أن يريد الإنسان أن يرى قفاه في المرآة فإنه يحتاج إلى مرآتين ينصب إحداهما وراء القفاء و الأخرى في مقابلتها بحيث يبصرها و يراعي مناسبة مخصوصة بين وضع المرآتين حتى ينطبع صورة القفاء في المرآة انمحاذية القفاء ثم ينطبع صورة هذه المرآة في المرآة الأخرى ثم يدرك العين صورة القفاء، و كذلك في اقتناص العلوم طرق عجيبة فيها ازويرارات و تحريفات أعجب ما ذكر في المرآة و يعز على بسيط الأرض من يهتدي إلى كيفية الحيلة فيها.
فهذه هي أسباب المانعة للنفس الناطقة من معرفة حقائق الأمور، و إلا، فكل نفس بحسب الفطرة صالحة لمعرفة حقائق الأشياء، لأنها أمر رباني شريف فارق عن سائر جواهر هذا العالم بهذه الخاصية، و إلى هذه الخاصية أشير في قوله تعالى:" إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ (٢) وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها ..." و تلك الأمانة التي امتاز الإنسان بحملها عن السماوات و الأرضين و الجبال هي المعرفة و التوحيد فإن نفس كل إنسان مستعدة لحملها في الأصل و لكن يميطها عن النهوض بأعبائها و الوصول إلى تحقيقها الموانع و الأسباب الصارفة و ما روي عن قوله" ص": لو لا الشياطين يحومون على قلوب بني آدم، لنظروا إلى ملكوت السماء. إشارة إلى هذا القابلية لها، و هذه الأسباب التي هي الحجاب بين النفوس الإنسانية و عالم ملكوتها، و إليه أشار بما روي أنه قيل له" ص":
يا رسول الله، أين الله في الأرض قال في قلوب عباده المؤمنين.
المبدأ و المعاد ؛ ص٣٧١