المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٦
على أتم وجه و أبلغه، و أقل مراتب السعادة العقلية للنفوس بأن يكتسب هاهنا العلم بالأول تعالى و يعرف نحو وجوده و عنايته و علمه و إرادته و قدرته و سائر صفاته و العقول الفعالة التي هي ملائكة الله و وسائط فيضه وجوده و يعرف النظام في العالم المبتدأ عن الباري المنتهي الأجسام و المواد ثم الراجع إليه مرتقيا إلى النبات و الحيوان و الإنسان، و هلم إلى درجة العقل المستفاد المضي في المعاد، و من فاز بهذه المعارف فقد فاز فوزا عظيما، و نال سعادة عقلية و نعمة سرمدية، و خلص عن النقصية التي في فقدها بإزائها، و لما علمت أن السعادة العقلية من جهتي العقل النظري و العقل العملي للإنسان، و علمت أن الشرف و الفضيلة و الزينة و الكمال و السرور و الغبطة للنفس إنما يحصل بسبب الجزء النظري الذي هو جهة ذاتها و حيثية هويتها. و أما ما يحصل لها بحسب الجزء العملي الذي هو جهة إضافتها إلى البدن و توجهها إلى السفل، و هو غير داخل في قوامها- من حيث ذاتها بل إنما يقوم به من حيث نفسيتها، فليس للنفس بحسبه إلا البراءة عن النقص و الشين و الخلاص عن العقوبة و الجحيم و الهلاك و العذاب الأليم و الخلاص عن الرذائل، و ذلك لا يستلزم الشرف العقلي و السعادة الحقيقية، و إن لم يكن خاليا عن السعادة الوهمية و الخيالية، كما هو حال الصلحاء و الزهاد و أهل السلامة من العباد على ما سنشرحه.
و أما الشقاوة العقلية التي بإزاء السعادة الحقيقية العقلية، فهي إما بحسب الهيئات البدنية من المعاصي الحسية الشهوية و الغضبية، و إما بحسب الجحود للحق و إنكار العلوم الحقة الحكمية و العصبية باختيار بعض المذاهب و الآراء، مع محبة الرئاسة و طلب الجاه و التشوق إلى الكمال من دون الوصول إليه.
أما بيان الشقاوة في القسم الأول، فهو، أن هذه الهيئات الانقهارية و الانفعالات البدنية للنفس، يمنعها عن الوصول إلى السعادة في الآخرة، و مع ذلك فيحدث نوعا من الأذى عظيما، لعدم المألوف العادية و وجود ملكة الرغبة إليها و عدم ما يشتغل النفس عن تذكرها، و ذلك، لأن هذه الهيئات قبيحة في نفسها مولمة لجوهر النفس مضادة لحقيقتها، لكن كان إقبال النفس على البدن يشغلها عن الإحساس بفضيحتها و مضادتها لجوهر النفس، و الآن