المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٥
طريقتنا في باب الوجود و المضاف و الأين و الاتصال في الصورة الجسمية و النورية في المفارقات و التقدم و التأخر في أجزاء الزمان.
و الحاصل أن الوجود الجسماني بصحبة الغفلة و الموت و الهجران و الفوت، سواء كان هذا الوجود في طرف المدرك المشتاق، أو في طرف المدرك المشتاق إليه، لما علمت من قلة الحضور و الوجدان فيها حتى شعورنا بذاتنا و وجودها لنا حين فارقنا البدن يكون أتم و أوكد، و ذلك لأنا لا نشعر بذواتنا مع هذه العلاقة البدنية إلا مخلوطا بالشعور بالبدن لنحو اتصال و ارتباط بين النفس و البدن (ارتباط النور بالظل و الشعلة بالدخان و الشخص بالعكس) إذا فرض أنه قابلية مرآة، و فرض أنه لم ير بعد صورتها في المرآة، و ذلك لأنا لا نعقل شيئا و نحن بدنيون إلا و يقترن به خيال أغلب من العقل. فإذا انقطعت العلاقة بين النفس و البدن، و زال هذا الشوب صارت المعقولات مشاهدة و الشعور بها و بذواتنا المتحدة معها شهودا إشراقيا، و كشفا حضوريا و رؤية عقلية، فكان التذاذ النفس بحياتها العقلية أتم و أفضل من كل خير و سعادة.
و قد عرفت أن اللذيذ بالحقيقة هو الوجود و خصوصا العقلي و خصوصا المعشوق الحقيقي و الكمال المطلق الأتم الواجبي، و أن الالتذاذ به هو أفضل الالتذاذ و أفضل الراحة، بل هي الراحة التي لا ألم فيها، فهذه النفوس التي صارت عقولا بالفعل، ستصير إلى راحة لا ألم فيها و وصال لا هجران معه، و هذه الأمور لا مدخل لها في الوهم. و ليس لجمهور الناس إلا سماع ألفاظ دالة عليها، إلا أن البرهان دل عليها كما دل على حقيقة الواجب الوجود و أحوال إلهية، فإن القدر الذي من البهجة يناله النفوس المتألهة بالمشاهدة ليس لغيرهم إلا حكايته فإن البهجة تابعة للمشاهدة، و حيث يخفى قدر المشاهدة، يخفى قدر البهجة، فكذلك حالنا في اللذة التي نعرف وجودها لنا إن شاء الله و لا نتصورها مشاهدة، لكنا نعلم أنها إذا ارتاحت نفسنا في حياتنا الدنياوية إلى ذكر الله تعالى و فرحت بذكر صفاته العليا من كيفية علمه بجميع الأشياء على وجه لا يعتريها تكثر و تجدد و قدرته على جميع المقدورات بحيث لا يلحقها تغير و لا انفعال و لا فتور و لا إعياء، و كيفية عينية صفاته لذاته و كيفية ترتيب الوجود منه على أليق نظام و أفضل هيئة، لكانت لها مناسبة إليها يؤذن بأن تنال من السعادة عند الفراغ عن البدن قدرا يعتد به، و خصوصا النفس التي أحكمت المسائل و أتقنت العلوم و المعارف