المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٦١
أعمال علمية و حركات فكرية و رياضات لطيفة شوقية، و آنست بالاتصال به و الإلف معه على الدوام، انقطعت حاجته من النظر إلى البدن و مقتضى الحواس، و لكن لا يزال يجاذبها و يشغلها و يمنعها عن تمام الاتصال و روح الوصال، فإذا انحط عنه شغل البدن و وسواس الوهم و دعابة المتخيلة بالموت، ارتفع الحجاب و زال المانع و دام الاتصال، لأن النفس باقية و العقل الفعال باق أبدا و الفيض من جهته مبذول لذاته و النفس مستعدة لقبوله بجوهرها إذا لم يكن مانع و قد زال المانع فدام الاتصال، فإن البدن و الحواس و إن احتيج إليها في الابتداء ليحصل بواسطتها الخيالات حتى يستنبط النفس من الخيالات المعاني المجردة و يتفطن بها منها، إذ لا يمكن لها ابتداء التفطن بالمعارف إلا بواسطة الحواس، و قد قيل، من فقد حسا فقد علما.
فالحاسة نافعة في الابتداء كالشبكة للصيد و المركب للوصول إلى المقصد، ثم بعد حصول المطلوب للطالب، يصير عين ما كان شرطا وبالا بحث يكون الفائدة في خلاصه منه لكونه مانعا من التمتع بالمقصد بعد الوصول و شاغلا.
و قد علمت أن سعادة كل قوة بنيل ما هو مقتضى طبعها بغير آفة و حصول كمالها من غير عائق، و كمال كل قوة من نوعها أو جنسها، فكمال الشهوة و سعادتها هو اللذة، و كمال الغضب و سعادته هو الغلبة، و للوهم الرجاء و التمني، و للخيال تصوير المستحسنات، و للنفس بحسب ذاتها العقلية الوصول إلى العقليات و صيرورتها موضوعة للصور الإلهية من لدن الحق الأول إلى أدنى الوجود.
و أما سعادتها و خاصيتها بحسب مشاركة البدن، فصدور أفعال سائغة إلى الخلق العدالة و ملكتها، و هي أن يتوسط النفس بين الأخلاق المتضادة البدنية فيما يشتهي و لا يشتهي و فيما يغضب و لا يغضب لئلا ينفعل عن البدن و قواه.
فإن إذعانها للبدن و قواه من موجبات شقاوتها و بعدها عن الباري تعالى.
فإن الارتباط الذي هي بين النفس و البدن يوجب انفعال كل منهما عن الآخر فتارة يحمل النفس على البدن فيقهره تأييدا من الله تعالى و تارة يسلم للبدن و تنقهر عنه بإغواء الشيطان بواسطة تلبيس الوهم و تزيينه مشتهيات البدن على النفس، فإذا تكرر تسلمها له، انفعلت عنه و حدثت فيها هيئة انقيادية حتى أنه ليعسر عليها بعد ذلك ما كان لا يعسر قبل من ممانعته و كفها عن إغواء قواها و خصوصا الوهمية، و إذا تكرر قمعها