المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٤
أخرى فوق هاتين أدناها ما يتوقف على طرح الكونين و رفض العالمين.
و الغرض من هذا الكلام، أن النفس الإنسانية أجل من أن يتبع البدن في الوجود و الهلاك و الكون و الفساد و القوة و الضعف و الكمال و النقص، و ليس الأمر على ما ظنه الجمهور من الطبيعيين و الأطباء، أن قطع تعلق النفس من البدن تابع لاختلال البنية و فساد مزاج البدن، بل الحق أن النفس أولا ينزجر عن البدن على التدريج لرجوعها الطبيعي إلى عالم آخر و انتقالها قليلا قليلا إلى نشأة ثانية لها لأجل حصول تجوهرها و استقلالها يسيرا يسيرا، حتى إذا بلغت غايتها من التجوهر و مبلغها من الفعلية و الاستقلال في الذات ينقطع تعلقها عن البدن بالكلية، و هذا هو الأجل الطبيعي القضائي دون الأجل الاخترامي الذي هو بحسب القواطع الاتفاقية القدرية.
فمنشأ ذبول البدن بعد سن الوقوف شيئا فشيئا إلى أن يهرم ثم يعرض الموت، هو فطورات النفس بحسب مراتب قربها إلى النشأة الثانية التي هي النشأة توحدها و انفرادها عن البدن و استقلالها في الوجود.
و هذه الحالات المشاهدة للبدن من الشباب و الشيب و الهرم و الموت تابعة لنظائرها من مراتب القوة و القدرة للنفس على النحو التعاكس فكلما حصلت للنفس قوة و فعلية حصل للبدن وهن و دثور إلى أن يحيا النفس و يموت البدن.
و هذا الذي ذكرناه لا ينافي الشقاوة الثابتة لبعض النفوس و تعذبهم بالجحيم و النيران التي هي نتائج أخلاقهم و ملكاتهم الخبيثة و تبعات أفعالهم و أعمالهم السيئة.
فإذا علمت أن موت البدن إنما هو لازم يتبع استقلال النفس في تجوهرها وجودها و رجوعها إلى نشأتها و عالمها الذي هو غير العالم العنصري و البدن الطبيعي، تيقنت و تحققت، أن تعلق النفس بعد بوار البدن سواء كان بالأجل الطبيعي أو الاخترامي ببدن آخر مستحيل، إذ لو تعلقت، لتعلقت إلى نطفة حيوان أو جنين بالضرورة.
و على ما اعترفوا به أيضا فيلزم على ما أصلناه من البيان الخلف من عدم التطابق التعاكسي بين مراتب استكمال النفس و البدن على الوجه المذكور.
و لنذكر لتوضيح هذا المقام مثلا مقربا إلى الأفهام، فاعلم أن مثال البنية الإنسانية في هذا العالم مثال السفينة في البحر المحكمة الآلة المتقنة الأداة بمن فيها من القوى