المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٩
بها نحوا من الاتحاد، لأن حقيقة المادة حقيقة جنسية من شأنها الاتحاد بمبادي فصول متخالفة هي صور نوعية، فكما أن كل حصة من الجنس إذا عدمت عدم معها الفصل المحصل لها، و إذا عدم الفصل عدمت تلك الحصة الجنسية التي يتحد معها و يتقوم بها نوعا، فكذلك حال كل نفس، و نسبتها إلى البدن الخاص بها في الملازمة بينهما في الكون و الفساد، فإن النفس من حيث هي نفس هي بعينها صورة نوعية للبدن الذي هو بما هو بدن مادة لنفسه، إذ النفس ما دامت يكون ناقصة الجوهر ضعيفة الوجود يحتاج إلى مقارنة البدن العنصري، لأن وجودها كوجود الأعراض يكون في محل، إلا أن محل الأعراض لا يحتاج في كماله الأول إليها بخلاف النفوس و الصور، فإنهما كما يحتاج إلى المادة تحتاج المادة إليها أيضا على الوجه الدائر، دورا غير ممتنع، لاختلاف جهة الاحتياج، ففساد كل من النفس و البدن من حيث هما نفس و بدن أي صورة و مادة يحصل منهما نوع طبيعي كالإنسان، يوجب فسادا للآخر، نعم لما جاز أن يكون للنفوس البشرية نحو آخر من الوجود غير وجودها البدني العنصري ففسادها من حيث كونها صورة و نفسا لا يوجب فسادها مطلقا و من حيث كونها ذاتا مستقلة مباينة للبدن و قواه.
إذا تمهدت هذه المقدمة نقول: ما من نفس إنسانية إلا و لها وجود استقلالي بعد بوار هذا البدن، و لها بحسب ما لها من الأفعال و الأعمال نوع فعلية و تحصل في الوجود و هيئات خلقية حاصلة لها بالفعل سواء كانت تلك الأخلاق و الهيئات التي يوجب فعلية ذاتها و تحصل وجودها، أوصافا ملكية أو شيطانية أو سبعية أو بهيمية، فإذا خرجت النفس الإنسانية في مدة كونها العنصري و حياتها الطبيعي و نشئاتها الدنياوية من القوة التي كانت لها في أول الفطرة و صارت بالفعل بحسب ما حصل لها من الأخلاق و الملكات منخرطة في سلك أنواع شيء من هذه الأجناس الأربعة التي تحت كل جنس منها أنواع كثيرة كل منها مشتملة على أشخاص غير محصورة في عدد معين، فصارت صورة بلا مادة بوجه، و فعلية بلا قوة أصلا، سواء كانت سعيدة أو شقية منعمة بلوازم أخلاق الشريفة و أعمالها الحسنة، أو معذبة بنتائج أخلاقها الخسيسة و أفعالها القبيحة.
و أما الأبدان الأخروية المناسبة لأخلاق النفوس و ملكاتها، فهي ليست مواد لتلك النفوس حاملة لقوة كمالاتها و هيئاتها، بل هي أشباح ظلالية و أظلال مثالية حاصلة من تلك النفوس بمجرد جهات فاعلية بلا مدخلية الجهات القابلية.