المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٦
و ليست الدار الآخرة منحصرة في عالم العقل، بل عالم الآخرة عالمان، عالم عقلي نوري، و عالم مثالي، منقسم إلى نعيم نوري، و جحيم ظلماني.
أما الأول، فهو للكاملين المقربين و أما الثاني، فأوله للمتوسطين من أصحاب اليمين و السعداء، و ثانيه للناقصين من أصحاب الشمال، و هم الأشقياء المردودون، و المغالطة في حمل كلام القدماء الفلاسفة على التناسخ إنما نشأت من الغفلة عن تحقق عالم آخر متوسط بين عالم العقول و الأجرام، فيه يحشر الناس على هيئات مناسبة لأخلاقهم على التفصيل المقرر بينهم المشهور عنهم، حيث قرروا، أن لكل خلق من الأخلاق المذمومة، و الهيئات الردية المتمكنة في النفس، أبدان أنواع يختص بذلك الخلق، كخلق التكبر و التهور المناسب لأبدان الأسود، و الخبث و الروغان لأبدان الثعالب و أمثالها، و المحاكاة و السخرية لأبدان القردة و أشباهها، و العجب للطواويس، و الحرص للخنازير، إلى غير ذلك.
و كما أن لكل خلق ردي، أبدان أنواع مخصوصة من الحيوانات كلها مناسب لذلك الخلق، فكذلك بإزاء كل مرتبة قوية أو ضعيفة منه، بدن نوع خاص من تلك الحيوانات التي اشتركت في خلق واحد، كعظيم الجثة لشديد ذلك الخلق، و صغير الجثة لضعيفه و ربما كان لشخص واحد من الإنسان عدد كثير من الأخلاق الردية على مراتب متفاوتة، فبحسب شدة كل خلق مذموم في نفسه و ضعف ذلك و ما ينضم إليه من باقي الأخلاق المحمودة و المذمومة القوية و الضعيفة و اختلاف تراكيبها الكثيرة التي لا يقدر على حصرها أحد إلا الله تعالى، يختلف تعلق نفسه المذمومة ببعض الأنواع من أشباح الحيوانات المذمومة دون غيرها، و كذا يختلف تعلقها ببعض أفراد نوع واحد دون الباقي.
ثم إذا زال عنه ذلك الخلق رأسا أو مرتبة شديدة منه، انتقلت نفسه بحسب خلق آخر غيره نوعا، أو مرتبة إلى بدن نوع آخر من الحيوان المناسب له، إلى أن يزول عن نفسه الهيئات الردية بالكلية إن كانت قابلة للزوال، و إن لم يكن، بقي فيها و في الأبدان المناسبة لها أحقابا كثيرة إلى ما شاء الله.
و هذه كلها إنما يستصح و يستتم في غير النشأة الدنياوية، بل في عالم الآخرة.
فقوله تعالى:" كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ"