المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٢٨
نقل عن أرسطاطاليس من رجوعه عن رأيه في إبطال التناسخ إلى رأي أستاده أفلاطون في جوازه، ما هو إلا بالمعنى الذي ذكرناه، من انبعاث النفوس الإنسانية الناقصة في العلم و العمل في النشأة الآخرة على صور حيوانات مختلفة مناسبة لأخلاق مختلفة غلبت عليهم في الدنيا و انبعاث النفوس المتوسطة فيهما أو الناقصة في العلم فقط على صور حسنة مناسبة لأخلاقهم الحسنة كما سيجيء تحقيقه، و ذلك لبطلان التناسخ بالمعنى المشهور كما سنذكره.
و أما النفوس الإنسانية الكاملة فيهما أو في العلم (فالجميع متفقون على خلاصهم عن الأبدان مطلقا، سواء كانت أجساما دنياوية، و أشباحا مثالية، و سواء كان النقل حقا أو باطلا، و ذلك لكونهم عقولا مستفادة منخرطين في سلك القوادس المفارقة عن عالم المواد و الحركات بالكلية.
إشارة تحصيلية
أما بيان إبطال التناسخ بمعنى انتقال نفوس الأشقياء و غيرهم من الناس إلى أجساد الحيوانات المناسبة لها في الأخلاق و الأعمال، من غير خلاص كما ذهب إليه شرذمة قليلة من الحكماء، و هم المعروفون بالتناسخية، و هم أقل الحكماء تحصيلا حيث ذهبوا إلى امتناع تجرد شيء من النفوس بعد المفارقة، لأنها جرمية دائمة التردد في أبدان الحيوانات و غيرها، فهو أن تلك النفوس لا يخلو إما أن يكون منطبعة في الأبدان أو مجردة و كلا القسمين محال.
أما الأول، فلما عرفت من استحالة انطباع النفوس الإنسانية، و مع استحالته ينافي مذهبهم أيضا لامتناع انتقال الصور و الأعراض من محل إلى محل آخر.
و أما الثاني، فلأن العناية الإلهية مقتضية لإيصال كل ذي كمال إلى كماله، و كمال النفس المجردة أما العلمي، فبصيرورتها عقلا مستفادا فيها صور جميع الموجودات، و أما العملي، فبتخليتها عن رذائل الأخلاق و تحليتها بمكارمها، فلو كانت دائمة التردد في الأجساد من غير خلاص إلى عالم الأنوار و العقول، كانت ممنوعة عن كمالها اللائق بها أزلا و أبدا، و العناية الأزلية يأبى ذلك.