المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٢١
كذلك النفوس ما دامت هي مقبورة غير تامة.
فالنفس بحسب الغريزة تشفق على البدن ما لم تستتم- له الخلقة و لم يستكمل الصورة، فإذا تمت الخلقة و كملت الصورة تهاونت به بحسب الفطرة التي فطرت عليها، و لا يبالي انشقت البيضة أو انخرقت المشيمة، إذا سلم الفرخ أو الطفل.
فهكذا حال النفوس مع الأجساد إنما تشفق على الجسد و تصونه ما لم يتفطن تفطنا غريزيا بأن لها وجودا خلوا من الجسد، و ذلك الوجود خير و أبقى و ألذ و أقوى من هذا الوجود و البقاء الذي لها مع هذا الجسد، فإذا استتمت النفس و كملت صورتها الفعلية، و انتبهت من هذا النوم و استيقظت من هذا الغفلة الجسمية و أحست بغربتها في هذا العالم الدنياوي و أنها أسيرة في يد الطبيعة غريقة في بحر الهيولى تائهة في قعر الأجسام مبتلاة بخدمة الأبدان مغرورة بزينة المحسوسات الشهوية التي هي لهو و لعب و الغضبية التي هي تفاخر و تكاثر في الأموال و بانت لها حقيقة ذاتها و عرفت فضيلة جوهرها معرفة إجمالية، و إن كانت في غاية الخفاء، و نظرت إلى عالمها و شاهدت الروحانية عند إدراكها العقليات و أقلها الأوليات، هانت عليها مفارقة الجسد و مزايلة البدن.
و من تأمّل في حال بدن الإنسان و مراتب انقلاباته و استحالاته من جهة أنه كلما قوي نفسه ضعف بدنه و أنه كلما تدرجت نفسه في الاستكمال من لدن بلوغه إلى شيخوخته تدرج بدنه في الانتقاص و الاضمحلال، لعلم يقينا أن النفوس متوجهة بحسب الغريزة إلى عالم آخر إليه رجوعها و منتهاها، و إن غفل عن هذا التوجه العقلي و السلوك الأخروي أكثر الناس، إلا أنه مركوز في طبيعة الجميع، مفطور عليه فطرة الكل، كما يدل عليه قوله تعالى:" إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ" و آيات كثيرة في هذا المعنى.
و مما يدل أيضا على بقاء النفوس و أن صلاحها بتلف الأجساد فعل موسى" ع" و عيسى" ع" و غيرهما من الأنبياء، ع، و ذلك أن موسى قال