المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٤
يمكن إلا بعد المجيء منه.
و قال أبو يزيد البسطامي:" طلبت ذاتي في الكونين فما وجدتها"، أي أوجدت ذاتي في عالمي الأشباح و الأجرام.
و قال أيضا:" انسلخت من جلدي، فرأيت من أنا"، فسمى الهيكل جلدا و قشرا، و هذا يصرح بأن النفس التي هي اللب غير الجسد الذي هو القشر.
فالنفس الحية الإنسية متى لم يبلغ أهليتها إلى مقام ينسلخ عن جلدها كل يوم مثل نفس الحية الوحشية التي تنسلخ عن إهابها كل عام، فليست من الحكمة في شيء.
و قيل: الصوفي مع الله بلا مكان. إشارة إلى تجرد النفس عن المكان، للمعية مع من لا يحويه مكان، فإن ما مع غير ذي مكان لا يكون ذا مكان. و قيل: الصوفي كائن بائن.
أي النفس موجودة مجردة عن المادة، إلى غير ذلك من مقالات هؤلاء الأكابر المجردين عن العلائق المنزهين عن العوائق.
و كلمات هؤلاء الأفاضل في قوة إفادة العلم القطعي بحقيقة النفس أشد و أسد من كثير من حجج أصحاب العقل، فإنهم، شاهدوا عجائب أحوال النفس و ماهيتها و غرائب آثارها بذوق العيان دون مزاحمة البرهان. و لا تستحقرن يا حبيبي خطابات المتألهين، و لا تظنن أنها أقل نفعا في إفادة اليقين من حجج أصحاب البحث و البراهين، كيف و البرهان معد، و الواهب للعلم كما مر، أمر سوى البرهان، فلا يستبعد أن يكفي لطالب الحق خطابات إقناعية لأن يهب له المبدأ الفياض علما يقينا.
ظلمات وهمية و إشراقات عقلية
أن ذوي الطبائع الوهمية قد استصعب عليهم الاطمينان بتجرد النفس بوجوه:
منها، أن ما لم يكن جسما و لا مدركا بإحدى الحواس، فهو لا شيء، إذ الموجود هو المحسوس لا غير.
و القائلون به هم الحنابلة و الكرامية، و كثير من أهل الحديث و الرواية من غير الدراية، و لم يعلموا أن حقيقة كل شيء حتى المحسوس و ما هو صرف ذاته أمر لا يدركه الحواس، بل غيرها الذي هو القوة العقلية، و لم يتفطنوا بأن معنى قولنا: الكل أعظم من الجزء.