المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٠١
ذات قوة قابلة غير متناهية، لأن قبول النفس في كثير من أشياء لا نهاية لها، قبول تعد تصرف فعلي. مما يبين ذلك، أن النفس تتصرف في المعلوم، و تنتقل من معلوم إلى معلوم و تستخرج النتائج من المقدمات بالتركيب و التحليل للصور التي يكون حاصلة عندها، و هي و أمثالها أفعال لا انفعال، و الانفعال نفس حصول الصورة، و لهذا ينسب هذه إلى القوة النظرية منها التي هي جهة ارتباطها إلى ما فوقها من المبادي العقلية بالتأثير، و تلك إلى القوة العملية منها التي هي جهة ارتباطها إلى ما تحتها من القوة الجسمية.
فصل في إقناعيات و استبصارات
و اعلم أن براهين تجرد النفس كثيرة مذكورة في كتب الحكماء، و قد ذكرنا طرفا منها، و من أراد زيادة فليطلب من هناك. و الأولى لسالك طريق الحق أن يهاجر أغراض الطبيعة و تلطف سره عن مكدرات الأجسام، ليشاهد ذاته المجردة عن الأحياز و الأمكنة، و يتحقق لديه أنه لو لا اشتغال النفس بتدبير قوى الجرمية و انفعالها عنها، لكان لها اقتدار على إنشاء الأجرام العظيمة المقدار، الكثيرة العدد، مع هيئاتها و أحوالها البهية الحسنة، من الأشخاص النورية البرزخية، فضلا عن التصرف فيها بالتحريك و التدبير، كما وقع لأصحاب الرياضات اللطيفة و المجاهدات العقلية، المرتقين عن حضيض الأشباح إلى أوج الأرواح. و قد جربوا أمثال هذا من أنفسهم و هم بعد في هذه النشأة الدنياوية، فما ظنك بنفوس كريمة شريفة إلهية عاشقة لكبرياء جلال الأول، مرتقية عن تعلقات الأجرام و أعراضها، متخلصة عن أهواء الطبيعة و أغراضها، و أنت مع شواغلك البدنية و مئاربك الخسيسة الإنسية، إذا فكرت في جبروت ربك الأعلى، أو سمعت آية تشير إلى المعاد و المسرى، انظر كيف تقشعر جلدك و تقف شعرك، و تسلط نفسك على البدن و قواه، و تسهل عليك رفضه و قطع هواه، و ذلك لأجل قليل نور قذف في قلبك و تتقوى به نور نفسك، تقوى الجنس بالجنس، فانفعلت منها قوى البدن و الحس، كما كان ينفعل هي عنهما لأجل قصورها و ضعفها، و قس من هذه الحالة منك حال من داوم في جميع أيام دهره