المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٩
الفسقة و الظلمة و الكفرة من القوى الشهوية و الغضبية و الوهمية.
و من الشواهد، أن كل صورة أو حالة حصلت في الجسم بسبب من الأسباب، فإذا زالت عنه و بقي فارغا عنها يحتاج في حصولها ثانيا إلى استيناف السبب من غير أن يكتفي الجسم بذاته في استحصال تلك الحالة أصلا، إذ فراغ الجسم القابل في الحالين بمرتبة واحدة، و ليس حال الجوهر الناطق في الصور العلمية الحاصلة لها هذه الحال، إذ كثيرا ما يعرض له ما يزيل عنه تلك الصور، ثم إذا زال العائق، عادت من غير حاجة إلى السبب الحاصلة هي منه كحد أو برهان، بل قد يكفي في استحضار تلك الصور بذاته.
و أيضا، إن العلوم كلها لا يمكن أن يجتمع في دفتر واحد جسماني، و أما النفس فإنما يجتمع علوما شتى و صنائع عديدة و أخلاقا مختلفة و آراء متفاوتة، لأنها دفتر روحاني لا تتراكم فيها صور المعلومات كما يتراكم في الهيولى الجسمانية صور الماديات، فليس بمحال على النفس الإنسانية تزاحم الأمور عليها و الصور المعلومة فيها، و ربما تزول عنها هذه الأسباب الكمالية لإقبالها على شيء من الأمور العاجلة الدنياوية عند مرض أو شغل قلب أو غم بعرض لها، و لا تزيل عنها هذه الأمور العارضة صورها الكمالية المستحفظة في ذاتها على الإطلاق ذخرا لها في اليوم الآخر.
و ذلك لأجل أنها روحانية السنخ، لطيفة الجوهر، فهي يكون في ذاتها مخزونة بنوع قوة قريبة من الفعل، بل هي موجودة فيما تعلقت به ذاتها من الجواهر القدسي و العقل الفعال الداخل في تجوهر ذاتها و فعلية حقيقتها، و قد خرجت به عقلا بالفعل، و العائق لها عن مشاهدة الصور و ظهور الكمالات ليس أمرا داخليا كما في القوابل التي لم يخرج من القوة إلى الفعل، بل أمرا خارجيا احتجب به ذاتها الكاملة المستكملة عن ذاتها و هو اشتغالها بتدبير البدن و عادتها في الانجذاب إليه بحسب الفطرة الأولى دون الثانية، فإذا ارتفع من حدقة إدراكها العقلي غبار البدن، و وقع منها النظر إلى ذاتها، وجدتها مستكملة بالمعقولات مشاهدة إياها متصلة بها متحدة معها، و رأت ذواتا نورية و جمالا و حسنا و كمالا، يستظلم عنده أنوار الشمسية الحسية، و يستقبح لديه صور حور العين.
و الغرض أن تسمية هذه المرتبة من النفس بالعقل بالفعل على الحقيقة بما ذكرنا.
و لهذا إذا اكتسبت صورة عقلية، ثم أعرضت عنها بعائق من اشتغالها بشيء جسماني، فإذا زال عنها العائق، عادت مهما أرادت إلى تلك الصورة المستحفظة بنوع فعلي لا بنوع