المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٨
التفصيل عن وجوده، و ذلك هو الفوز العظيم.
و فوق ذلك مرتبة أخرى يرجع فيها إلى الصحو بعد المحو، و نظر إلى التفصيل في عين الجمع، و وسع صدره الحق و الخلق، و إليه أشير في قوله تعالى حكاية عن مرتبة الرسول النذير المنذر:" أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ"، فإن أعباء الرسالة التي هي سفره من الحق إلى الخلق كانت على النبي- ص- في أوائل الحال ثقيلا و لم يكن صدره واسعا للطرفين، و ذلك لاستغراقه في مشاهدة جماله و معاينة عظمته و كماله و اشتغاله بالله عن غيره، إلى أن صار جامعا بين الحق و الخلق بحيث لم يكن أفعاله حجابا عن صفاته، و لا الصفات عن ذاته، بل كان مشاهدا لله تعالى في كل ما يسمع و يرى، و ملاحظا لوجهه في كل ما يظهر و يخفى. فهو في هذه الحالة أهش بعباد الله، لكونه مبتهجا بالحق و بكل شيء، لأنه يشاهد الحق فيه، فهو بالحق يرى كل شيء و يسمع و يذوق و يشم و يجد طعم الحق و رائحة الطيبة في كل شيء، لا على وجه يوجب الكثرة و التجسم، تعالى عما يقول الظالمون الملحدون علوا كبيرا.
قال المحقق الطوسي في شرح مقامات العارفين و درجاتهم:" العارف إذا انقطع عن نفسه و اتصل بالحق رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته المتعلقة بجميع المقدورات، و كل علم مستغرقا في علمه الذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات، و كل إرادة مستغرقة في إرادته التي لا يأبى عليها شيء من الممكنات، بل كل وجود و كل كمال و جود فهو صادر عنه فائض من لدنه. فصار الحق حينئذ بصره الذي يبصر به، و سمعه الذي يسمع به، و قدرته التي بها يفعل، و علمه الذي به يعلم، و وجوده الذي به يوجد، فصار العارف حينئذ متخلقا بأخلاق الله تعالى بالحقيقة". هذه ألفاظه (هذه عبارته- خ ل).
بحث و تحقيق
قد نوقش في هذا التفريع و ترتبه على ما سبق ثم بان صيرورة صفاته تعالى صفات العبد- مع أنه غير لازم مما ذكره- مخالف للشرع و العقل.