المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٧
و يجعله مائلا إلى غير الحق، فيتصف بالورع و التقوى و الزهد الحقيقي.
ثم يحاسب نفسه دائما في أفعاله و أقواله و يجعلها متهمة في كل ما يؤمر به و إن كانت أمرته بالعبادة، لأن النفس مجبولة بمحبة الشهوات، فلا ينبغي أن يؤمن من تداخلها، فإنها من المظاهر الشيطانية.
فإذا خلص منها و صفا وقته و طاب عيشه بالالتذاذ بما يجده في طريق المحبوب يتنور باطنه، فيظهر له لوامع أنوار الغيب و ينفتح له باب الملكوت و يلوح منه لوائح مرة بعد أخرى، فيشاهد أمورا غيبية في صور مثالية. فإذا ذاق شيئا منها يرغب في العزلة و الخلوة و الذكر و المواظبة على الطهارة التامة و العبادة و المراقبة و المحاسبة، و يعرض عن المشاغل الحسية كلها، و يفرق القلب عن محبتها، فيوجه باطنه إلى الله الحق بالكلية، فيظهر له الوجد و السكر و الوله و الشوق و الهيمان، فيمحوه تارة بعد أخرى، فيجعله فانيا عن نفسه غافلا عنها، فيشاهد الحقائق السرية و الأنوار الغيبية فيتحقق في المشاهدة و المعاينة و المكاشفة.
و يظهر له حقائق عقلية و أنوار حقيقية، و تختفي أخرى، حتى يتمكن و يتخلص من التلوين و ينزل عليه السكينة الروحية و الطمأنينة الإلهية و يصير ورود هذه البوارق و الأحوال له ملكة، فيدخل في عالم الجبروت و يشاهد العقول المجردة و الأنوار القاهرة و المدبرات الكلية من الملائكة المقربين و المهيمين في جلال الله تعالى من الكروبيين، و يتحقق بأنوارهم، فيظهر له أنوار سلطان الأحدية و سواطع العظمة و الكبرياء الإلهية فيجعله هباء منثورا، و يندك عند جمال الله تعالى جبل إنيته فيخر لله خرورا و يتلاشى تعينه في التعين الذاتي و يضمحل وجوده في الوجود الإلهي.
و هذا مقام الفناء و المحو، و هو نهاية السفر الأول للسالكين. فإن بقي في الفناء و المحو و لم يجىء إلى البقاء و الصحو صار مستقرا في عين الجمع محجوبا بالخلق عن الحق لضيق وعائه الوجودي و استغراقه و فنائه من البدن و قواه، فكذلك في هذه الحالة ما زاغ بصره عن مشاهدة جماله و جلاله و سبحات وجهه و ذاته، فاضمحلت الكثرة في شهوده و احتجب