المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٠
فيكون عقلا بالقوة و لا يكون وجودها العقلاني حاصلا بالفعل، و قد فرضناه كذلك.
فلا يفارق كون الشيء معقولا بالفعل كونه عاقلا بالفعل، و لا كونه هذا الموجود كونه هذا المعقول، لأن نحو وجوده الخارجي نحو معقوليته و عاقليته، بخلاف وجوداتنا، فيفترق نحو وجودنا النفسي عن نحو وجودنا العقلي و المعقولي.
فإن النفس حين كونها عقلا بالقوة- و إن كانت صورة حسية- لكنه مادة عقلية و ليست صورة عقلية، فافترق هذا الوجود عن ذلك العقل، فيكون وجود النفس في أول الأمر غير وجود العقل إلا أنها عقل بالقوة.
فهذا أحد معاني كون الجواهر المفارق عقلا فعالا.
و المعنى الآخر أنه يفيد العقل لأنفسنا بأن أخرجها من القوة إلى الفعل و صيرها عقلا بعد ما لم يكن كذلك. و هذا يفيد لأنفسنا نورا عقليا به تصير عقلا و عاقلا بالفعل بعد ما كانت عقلا عاقلا بالقوة. و به يصير ما في الخيال من رسوم المحسوسات معقولات بالفعل بعد ما كانت معقولات بالقوة، لكونها صورا محفوفة بالغواشي المادية، حالته و منزلته بالقياس إلى نفوسنا في إفادة النور الذي يقذف منه فيها حال الشمس و منزلتها بالقياس إلى أبصارنا في إفادة الضوء الذي به يصير مبصرة بالفعل بعد ما كانت مبصرة بالقوة و تصير الألوان التي تحاذيها مبصرة بالفعل بعد ما كانت مبصرة بالقوة.
إذ كما أن البصر هيئة و صورة بالفعل مكملة لمادة لمسية ليست صورة مكملة لمادة مرئية لكون مادتها غير قابلة للرؤية و هي مع ذلك ملموسة و ليست في ذاتها كفاية في أن تصير مبصرة بالفعل و لا في جواهر الألوان كفاية في أن تصير مرئية بالفعل إلا بصورة كمالية أخرى تتصل بها من الشمس، فالشمس تعطي البصر ضوءا و تعطي الألوان ضوءا، فبذلك الضوء يصير مبصرا بالفعل و تصير الألوان مبصرة بالفعل.
فكذلك العقل بالفعل يفيد العقل الهيولاني و الصورة الهيولانية المخزونة في الخيال نورا و عقلا منزلته من العقل الهيولاني منزلة الضوء من البصر.
و كما أن البصر بالضوء نفسه يبصر ذلك الضوء و يدرك المفيد لذلك الضوء، أي الشمس، و يبصر الأشياء التي هي بالقوة مبصرة فيصير بالفعل مبصرة، كذلك العقل الهيولاني يعقل النور العقلي الذي صار ذاته به عقلا بالفعل بنفس ذلك النور العقلي، و به أيضا يعقل العقل بالفعل الذي هو سبب فيضانه عليه، و به يعقل الأشياء التي كانت معقولة بالقوة.