المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٧
و انتقالاتها إلى الكمالات، فهي صورة الصور و غاية الغايات و نهاية النهايات و الكمالات في عالم الأجسام.
و إذا نظرت إليها بحسب وجود العالم العقلي وجدتها قوة صرفة، لا رتبة لها عند سكان ذلك العالم، و نسبتها إلى الوجود نسبة البذر إلى الأثمار، فإن البذر بذر بالفعل و ثمرة بالقوة.
فحينئذ امتياز العقل الهيولاني عن سائر الهيوليات ليس لكونه هيولا و قوة، بل لكونه صورة جسمية، و هي ليست كذلك باعتبار ذاتها.
فبعد تمهيد ما قدمناه نقول: إن العقل الهيولاني عالم عقلي بالقوة من شأنه أن يكون فيه ماهية كل موجود و صورته من غير تأب و امتناع من قبله، فإن عسر عليه شيء فإما لأنه في نفسه ممتنع الوجود أو لأنه ضعيف الوجود شبيه بالعدم كالهيولى و الحركة و الزمان و العدد و اللانهاية.
و إما لأنه شديد الوجود قوي الظهور، فيغلب عليه و يقهره فيفعل به ما يفعل الضوء الشديد بعين الخفاش.
و ذلك مثل القيوم تعالى و مجاوريه من الإنيات العقلية، فإن تعلق النفس الإنسانية بالمواد يورثها ضعفا و تعوقا عن إدراك هذه الأنوار الباهرات جدا، فلا شك أنها إذا تجردت و نقضت عن جناحها علوق هذه الأرضيات و صقلت حدقتها من هذه الغبارات فطارت إلى العالم العقلي و اتصلت بأجنحة الكروبيين، طالعتها حق المطالعة و اتحدت بها و بالصور العقلية للأشياء كما اتحدت الآن بالبدن و قواه الجسمية، فإذا تركت هذه القيود و القشرة يبتهج بصحبة العقول العشرة، و إذا استكمل تشبيها بالعالم العقلي الذي هو صورة الكل عند الباري تعالى صارت قابلة لصورة الكل، كما أن البارىء فاعل لها، و ذلك باتصالها بالعالم العقلي و الكروبيين من الملائكة الذين هم أنوار و أشعة لجلاله تعالى بسبب فنائها عن ذاتها و عدم التفاتها بالأكوان إلا من جهة كونها رشحات لفيضه و جوده و تأكد علوقها بمبدإ صور الأشياء و تحيرها و هيمانها في عظمة خالق الأرض و السماء باندكاك جبل إنيتها، فيرى بنور ربه الأعلى كل شيء صادرا عنه فأيضا من لدنه.
و لا ينظر إلى شيء من الأشياء نظرا استقلاليا يكون المنظور إليه في ذلك الشيء غير