المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٢
عنه الأنبياء و الرسل المؤيدون بالإلهام و الوحي.
و لذا قيل- تقريبا للأفهام- إن الأنبياء ع أطباء النفوس، كما أن الأطباء أنبياء الأبدان.
و نقل أيضا في الحكمة العتيقة أن النبي خادم القضاء و الأمر الإلهي، كما أن الطبيب خادم للطبيعة و مقتضاها.
فمن أحوال هاتين الروحين نشأ العلم بأحكام العالمين: الدنيا و الآخرة، و الملك و الملكوت.
فالعلم علمان: علم الطب الذي هو علم الأبدان و الغرض منه حفظ صحة هذا الروح الجسماني بتأييد علماء الأبدان.
و علم الإلهيات الذي هو علم الأديان من معرفة الحق الأول و رسله و اليوم الآخر الذي هو مفارقة النفس عن البدن، و موضوعها النفس.
و هذا المعرفة إنما حصلت على التمام للأنبياء المؤيدين بالوحي و الإلهام، ثم لغيرهم من الأولياء و الربانيين من العلماء و جميعهم من علماء الآخرة المأخوذة علومهم من ملائكة الله تعالى.
و أما معرفة الروح الجسماني و عوارضه الذاتية و قواه فيمكن تحصيله بنحو آخر من تجربة أو قياس أو استقراء، بخلاف الروح التي هي الأصل، و هي سر من أسرار الله تعالى، لا يمكن توصيف حقيقتها و ماهيتها، و لا رخصة في تعريفها و تحديدها، إلا بأن يقال هو أمر رباني، كما قال الله تعالى:" قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي".
و الأمور الربانية لا يحتمل العقول توصيفها، بل تتحير في الحكم بوجودها أكثر الخلق، فلا يدرك بالقياس الفكري حقيقتها، بل بنور آخر أعلى و أشرف من العقل الإنساني يشرق ذلك النور في عالم آخر يسمى عند بعض العرفاء بعالم النبوة و الولاية، نسبته إلى العقل كنسبة العقل إلى الوهم و لا استبعاد فيه.
فإن للإنسان أطوارا متعددة خلقها الله تعالى بعضها فوق بعض، كما أن طور الوهم فوق طور الحس، و طور العقل فوق طور الوهم، و كما يدرك الصبي المحسوسات و لا يدرك