المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٧
جارية في الإبداعيات.
و أما الوجودات الواقعة في عالم التركيب و مراتب الصعود فهي أيضا في غاية الجودة و نهاية نظم الوجود، و ذلك لأن الأمور الواقعة فيه نظامها متعلق بحركات الأفلاك و أوضاعها لأغراض شريفة علوية فيكون ما يصدر عنها في غاية الحسن.
و أيضا نظام الأفلاك و ما فيها ظل نظام ما في القضاء الإلهي، بناء على ما مر و على ما تحقق عندهم، من أن صدور الموجودات عن الباري تعالى ليس على سبيل البخت و الاتفاق، كما نسب إلى ذيمقراطيس، و لا على طريقة الجزاف في القصد، كما توهمته الأشاعرة، و لا من إرادة ناقصة كإراداتنا المحوجة إلى دواع خارجة عن الذات، كما زعمته المعتزلة، و لا بحسب الطبيعة الغير الشاعرة بذاتها فضلا عن الشعور بغيرها، كما ذهبت إليه كفرة الدهرية.
بل النظام المعقول الذي يسمى عند الحكماء بالعناية مصدر للنظام الموجود، و ذلك النظام الموجود محض الخير و الكمال.
فهذا الذي على وفقه يجب أن يكون أتم النظامات الإمكانية و أكملها، فعلى هذا لا يكون في الوجود أمر جزافي أو اتفاقي، بل كله غريزي فطري بالقياس إلى طبيعة الكل، سواء كان طبيعيا بحسب نفسه، كحركة الحجر إلى السفل، أو قسريا، كحركته إلى الفوق، أو إراديا كفعل الحيوان بما هو حيوان.
إذ كلما يحدث فيجب عن سبب، و يترقى سلسلة الأسباب إلى مبدإ واحد، و مسبب فرد يصدر عنه الأشياء و يتسبب عنه على ترتيب علمه، فلا يتصور غيرها.
فليس في الوجود شيء مناف لطبيعة علله و أسبابه، إذ المعلول لا ينافي العلة.
فالحركات كلها طبيعية بهذه الوجهة، و النغمات و الأشعار كلها مؤتلفة موزونة بالقياس إلى طبيعة الكل، و إن لم يكن كذلك بالقياس إلى طبيعة جزئية. و وجود الأصابع الزائدة على خلقة الإنسان طبيعي في جبلة العالم، و كذا كل عمر بالقياس إلى الكل طبيعي، و إن لم يكن طبيعيا على الإطلاق.
و لو تيسر لك أن تعلم كل شيء بأسبابه و علله لرأيت جميع الأشياء حسنا عندك، و ملائما لديك، و عرفت هذا الأمر بالوجدان، كما تعرفه بالبرهان، و علمت أيضا أن الوجود