المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٦
عنه ترتب مراتبها و حصل لكل موجود قسطه من الوجود الذي يليق به و بمرتبته، فيبتدي من أشرفها وجودا و أتمها جوهرية و هو العقول العالية و الجواهر المتخلصة عن المواد بالكلية ثم يتلوه في الوجود ما يتلوه في الكمال و الشرف كالنفوس المجردة الفلكية ....
ثم الصور المنطبعة السماوية، ثم الطبيعة العنصرية، ثم الجسمية إلى أن ينتهي إلى الوجود الذي لا أخس منه و لا أنقص، و هو الهيولى الأولى.
فينقطع هذه السلسلة النزولية عندها، و لا يتخطى إلى ما دونها، لعدم إمكانه، فهي نهاية تدبير الأمر، فإنه" يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ"، فيفيض عنه بالامتزاج بين المواد الجسمية الصور النوعية للمركبات على مراتبها المتفاوتة في العروج بحسب ترقي الاستعدادات و تكاملها، فلا يزال يترقى في الوجود من الأرذل إلى الأفضل، حتى ينتهي إلى الأفضل الذي لا أفضل منه.
فأخسها المادة المشتركة و الأفضل هاهنا الأسطقسات، ثم المعدنيات ثم النبات، ثم الحيوان الغير الناطق، ثم الحيوان الناطق. و أفضله ما وصل إلى درجة العقل المستفاد، فيه عاد الوجود إلى المبدإ الذي ابتدأ منه و ارتقى إلى ذروة الكمال، بعد أن هبط منها، فعنده يقف ترتيب الوجود، و به يتصل دائرة الفيض و الجود، كما قيل نظما:
دو سر خط حلقه هستى
بحقيقت بهم تو پيوستى
ثم لو نظرت متفكرا في صنع الله: وجدت أن كل ما وقع منه في مرتبة من مراتب الوجود الباديات لا يتصور ما هو أشرف من شخصه شخصا و لا من نوعه نوعا، أما الأول فلوجوب انحصار كل نوع منها في شخص، لعدم الامتياز هناك بالعوارض الحادثة، لكونها قبل الاتفاقات و الحركات و الاستعدادات. و امتياز الشيء بنوعه أو بلوازم نوعه يوجب الانحصار في شخص واحد.
و أما الثاني فلما دلت عليه قاعدة الإمكان الأشرف التي أفادها الأستاذ الأول أرسطاطاليس، من أن ذات البارىء لا يقتضي الأخس و يترك الأشرف، بل يلزم من فيض جوده الأشرف فالأشرف. و برهان هذه القاعدة في كتاب حكمة الإشراق.
و القاعدة و إن لم تطرد فيما تحت الكون و في سلسلة العائدات كما ظنه بعضهم لكنها