المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٥
و ارتباط العلويات بالسفليات على الوجه المخصوص و التدبر في منافع حركاتها و نسب كواكبها و منافع أعضاء الحيوان و أجزاء النبات و سائر العنصريات على سبيل الإجمال، لعدم اقتدار الإنسان على الاطلاع و الشعور بجميع منافعها و خصائصها، بل ما يعلم الإنسان من دقائق حكمة الله تعالى في إيجاد نفسه و بدنه شيء قليل لا نسبة له إلى ما يعلمه من الحكم و المصالح التي روعيت في إيجادهما، فكيف الحال، في معرفته لما خرج عن ذاته؟
فلنكتف بأمور جملية من أسرار خلقه و غرائب حكمته.
فنقول أولا لما كان علم الله تعالى بالأشياء و بنظام الخير فيها علما لا نقص فيه، بأن يكون علما ظنيا ضعيفا، تعالى و تقدس عن ذلك، و كان علمه فعليا سببا لوجود الأشياء التي هو علم بها على وجه التمام و الضرورة كان حصول معلومه في غاية من الأحكام و نهاية من الإتقان.
و لنعد الآن إلى ما مر من توحيده.
فنقول لما تحقق و تيقن أن إله العالم واحد لا شريك له في الإيجاد و لا في الوجود اللائق به من كونه تقدست أسماؤه و تمجدت آلاؤه بريئا عن جميع النقائص و القصورات الإمكانية، و وجوده الذي هو ماهيته أفضل وجود في غاية الوحدة و البساطة و الشرف، و لا يمكن أن يكون أقدم من وجوده وجود و لا مع وجوده وجود، فلا مادة له و لا موضع و لا صورة و لا غاية. لأن هذه الأشياء تنافي تقدمه و تسقط أوليته، فيكون مجردا عما سواه.
فيكون معقولا و عاقلا لذاته و لغيره، لاستناد الأشياء إليه و رجوعها إليه عقلا تاما و علما كاملا.
و كما أن ذاته التي هي عين علمه بالأشياء فاعلا لها، كذلك ذاته علة غائية و غرض في وجودها.
فعلم من هذين أن وجود ما يوجد عنه إنما هو محض فيض وجوده لوجود ما سواه مع علمه بها و رضاه. فكذلك وجوده الذي به تجوهر ذاته و تحقق ماهيته هو بعينه وجوده الذي به يحصل منه غيره، لا أنه يتجوهر بشيء و يتصف بشيء آخر و يفعل بشيء آخر، كما أنا نتذوت بالإنسانية و نتصف بالقدرة و العلم و نكتب بملكة الكتابة.
و ليس له مانع في فعله أو منتظر. فيفيض عن ذاته بذاته وجود الأشياء و إذا فاضت