المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٩٧
المستقيم،" أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إن حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ"، لأجل تسخير قواهم البدنية و خصوصا الوهمية التي هي أحد أعداء الله المجيبة لدعوة الشيطان، إذ لم يسخره العقل الهادي إلى طريق الرحمان، فإن للعقل الإنسان جنودا كثيرة خلقها الله لتكون مسخرات مطيعات له، و خادمة إياه في طريق الله تعالى و سفره الذي لأجله خلق و خلقت، إذ خلق الإنسان في أول حدوثه ضعيف الفطرة ناقص القوة شبيها بالعدم حيث" أتى حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً"، فتدرج في الوجود، ثم حصل له استعداد الترقي من مرتبة إلى مرتبة حتى يصل إلى معبوده الحق.
فلا بد للمسافر من مركب و زاد و خادم، فمركبه مادة البدن و زاده العلم و التقوى و جنوده و خادمه الأعضاء و القوى.
و تلك الجنود صنفان: صنف يرى بالأبصار و هي الأعضاء و الجوارح، و صنف لا يدرك بالحواس الظاهرة و هي القوى و الحواس. و جميعها خلقت للعقل مسخرة له و هو المتصرف فيها و خلقت مجبولة على طاعته، أما الجند الأول فلا يستطيع له خلافا و لا عليه تمردا، فإذا أمر العين للانفتاح انفتح و إذا أمر الرجل للحركة تحركت و إذا أمر اللسان بالكلام و جزم الحكم به تكلم و كذا سائر الأعضاء.
و أما الجند الآخر فهي أيضا كذلك إلا الوهم فإن له شيطنة بحسب الفطرة يقبل إغواء الشيطان و مغاليطه فيعارض العقل في المعقولات، فيحتاج إلى تأييده من جانب الحق ليغلب عليه و يقهره.
و تسخر الحواس للعقل يشبه من وجه تسخر الملائكة لله تعالى فإنهم جبلوا على الطاعة لا يستطيعون له خلافا" و لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ." و تمرد الوهم عن طاعته يشبه تمرد الشيطان من طاعة الله. و شرح تفاصيله مما يطول الكلام.
و من رؤساء جنود العقل الشهوة و الغضب، و هما قد ينقادان له انقيادا تاما فيعينانه على طريقه الذي يسلكه، و قد يعصيانه عليه استعصاء بغي و تمرد لأجل طاعة الوهم المطيع للشيطان، حتى يملكانه و يستبعدانه، و فيه هلاكه و انقطاعه عن سفره الذي به وصوله إلى