المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٩٦
حار و تحريك ساكن و تسكين متحرك، فحينئذ يحدث أمور لا عن أسباب طبيعية على مجرى طبيعي و ذلك لأجل تعقله لوجه المصلحة الذي يتبعه انفعال المادة انفعالا بدنيا من تخيل أسباب الغضب و الشهوة و غيرها.
فلا ينبغي أن ينكر أمثال هذه الوقائع في بدن العالم و نفسه، فإن العالم مشتمل على قوى فعالة و منفعلة يحدث منها أمور عجيبة نادرة خارقة للعادات مرغمة لأنوف أعداء الله الجاهدين للنبوات، قال الشيخ الرئيس في بعض كتبه: يشبه أن يكون ذلك حقا، فإنه إن كان دعاء مستجاب فيكون سببه مثل هذا الجوهر، و ذلك لأنه كما يشاهد تغيرات المادة فيعقل صورة نظام الخير و الكمال الذي يحسب هناك فيكون ما يعقل، كذلك يجوز أن يكون مشاهدته لتغيرات الأحوال في سكان هذا العالم مما يحدث فيه تعقل الأمر الذي يدفع ذلك النقص و الآفة و يجلب الخير، فيتبع ذلك التعقل وجود الشيء المتعقل.
أقول: و إذا صح هذا فلأحد أن يتصور في مقابلة هذا المبدإ المدبر لهذا العالم على وجه الخير و الصلاح المتكون من قوى بعض الأجرام الفلكية موجودا آخر نفسانيا متولدا من طبقة دخانية نارية يغلب عليه الشرارة و الإغواء و الإضلال و يكون له سلطنة بحسب الطبع على الأجسام الدخانية و البخارية و نفوسها الجزئية و الطبائع الوهمانية، و يطيعها تلك النفوس و القوى الوهمانية لمناسبة النقص و الشرارة، و يكون المسمى بإبليس الوارد على لسان النبوات هو هذا الشرير المغوي المضل، و كونه مجبولا على الإغواء و الإفساد و الاستكبار و ادعاءه العلو كما ورد في الكتاب:" أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ" إنما هو بمقتضى طبعه الغالب عليه النارية الموجبة للإهلاك و العلو.
و وجه تأثيره في نفوس الآدميين بالشر، أما من جانب المؤثر فللطافته و سرعة نفوذه في عروقهم و لطائف أعضائهم و أخلاطهم التي هي محال الشعور و الاعتقاد و اقتداره على إغوائهم بالوسوسة و الإضلال.
و أما من جانب القابل فلقصور القوى الدراكة لأكثر الناس و ضعفها عن المعارضة و المجاهدة مع جنود الشياطين و أعوانه من القوى الشهوية و الغضبية و غيرهما، لا سيما الوهمية، إلا من عصمه الله من عباده المخلصين الذين أيدهم الله بالعقل و هداهم إلى الصراط