المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٨٧
و الفضيلة ما دام في البدن فإذا خلع البدن صار منخرطا في سلك العقول المهيمنين.
و أما الجرم السماوي فلا يكون في جوهره بالقوة قط و لا في أوصافه و أعراضه الذاتية و لا في شكله، بل هو بالفعل في كل ما يمكن له و يجري به، فله من الجوهر الجسماني أفضله، لعدم الكون و الفساد و الانخراق و الاستحالة، و من الأشكال أفضلها، و هي الكرية، و من الكيفيات أفضلها، و هي الإضاءة و التشفيف، و كذا سائر الصفات، فلا يفوته شيء من الكمالات و الاتصاف التي يمكن في حق نوعه إلا أمرا واحدا هو أيسر غرض و أسهل مقصود و هو خصوصيات الأوضاع.
و هذا ظاهر لأنه لا يمكن الجمع بين الوضعين فصاعدا في حالة واحدة، و لو لم يكن فيه هذا القدر بالقوة لكان قريب الشبه من المفارقات، و ليس بعض الأوضاع أولى من بعض حتى يلازم ذلك و يترك البقية و إذا لم يمكن الجمع بين الأوضاع بالفعل و أمكن الجمع على سبيل التعاقب مع بقاء النوع قصد أن يكون كل وضع له بالفعل و أن يستديم جميعها بطريق التعاقب ليكون نوع الأوضاع دائما له بالفعل، كما أن الإنسان لما يمكن بقاء شخصه بالفعل دبر لبقاء نوعه بطريق التعاقب و الحركة الدورية أيضا لها خاصية في كونها على نهج واحد من غير تغير و تفاوت في الشدة و الضعف بخلاف الحركات الطبيعية و القسرية، فإن الطبيعية تغيرت إلى الحدة في أواخرها بسبب القرب من الحيز الطبيعي، و القسرية تغيرت إلى الفتور في أواخرها بسبب البعد من الحيز الطبيعي، و الدورية تستمر على وتيرة واحدة.
فإذن الجسم السماوي مهما تكلف استبقاء نوع الأوضاع لنفسه بالفعل على الدوام فقد تشبه بالجواهر الشريفة العقلية لغاية ما يمكن في التشبه عبادة لرب العالمين و قربانا إليه، لأن معنى العبادة طلب التقرب، و معنى التقرب طلب القرب في الصفات، لا في المكان، لعدم إمكانه.
فحركات السماوات صلواتها لأجل تقربها إلى الحق الأول و هو المحرك للكل و الغرض الأقصى و البغية العظمى للموجودات.
فسبحان الذي يرجع إليه كل شيء كما يبدأ عنه كل شيء، و منه البداية و إليه النهاية.