المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٨٦
به و يمكنه.
و هذا هو الحري بأن يسمى بالشر لتحققه في الواقع، و منبعه الهيولى الأولى، و لذا قيل: كل شر و فساد من علائق المادة. و منبع الشر بالمعنى الأول هو الإمكان.
فبين أن لكل واحد من الموجودات و خصوصا ما يتعلق بالهيوليات توقانا طبيعيا و عشقا غريزيا.
و السبب اللمي أن كل واحدة من الهويات المدبرة لما لم يخل عن كمال خاص و لم يكن مكتفيا بذاته لوجود كماله، إذ كمالات الهويات المدبرة نفسا كانت أو طبيعة مستفادة من فيض كامل بالذات عقل بالفعل.
و لم يجز أن يتوهم أن هذا المبدأ المفيد للكمال يقصد بالإرادة واحدا واحدا من جزئيات تلك الهويات و يلتفت إليها التفاتا، كما أوضحه الفلاسفة الإلهيون، فمن الواجب من حكمته و حسن تدبيره و علمه بالنظام الأتم أن يودع في كل منها عشقا كليا و يفرز فيه شوقا طبيعيا حتى يصير بذلك مستحفظا لما نالت من فيض الكمال الكلي و نازعا إلى الوصول إليه و الالتصاق به عند فقدانه، ليجري به أمر السياسة على النظام الكلي.
ثم إنه لو لم يكن الخير بذاته معشوقا لما أصاب كل واحد مما يشتهي أو يعمل عملا غرضا أمامه منه يتصور خيريته، و لو لا أن الخيرية بذاتها معشوقة لما اقتصر الهمم على إيثار الخير في جميع التصرفات. فكل واحد من الموجودات الحقيقية إذا أدرك أو نال خيرا من الخيرات فإنه يعشقه و يطلبه بطباعه، و كل شيء تحقق له أن شيئا من الأشياء يفيده الخير و الكمال و يوجب الاقتراب إليه زيادة في الفضيلة و الشرف فإنه لا محالة يعشقه بغريزته و يطلبه بطبعه، لا سيما إذا كان ذلك الشيء يفيده خاص الوجود و يخرجه من القوة إلى الفعل، مثل عشق الحيوان لما يغذوه و يقوت به و يفيده تجسما و تعظما مقداريا و عشق الإنسان لما يفيده صورا عقليا يتقوى به الجوهر الناطق و يحيط بالحقائق و صار ملكا من المقربين، بعد ما كان ناقصا في مرتبة السافلين.
فإن الإنسان بما هو إنسان يكون تارة في جوهره بالقوة و تارة بالفعل، و إذا صار في جوهره بالفعل فلا يزال في صفاته الكمالية بالقوة، لا ينال غاية الكمال و روح الشرف