المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٥٤
الملوك، و يتخيل الغايات الحقيقية كالغايات الحسية. فكأنهم يعبدون حكاية الحق الأول لا ذاته تعالى. فلهذا صارت عباداتهم و حركاتهم أمثلة لعبادات أهل الحق و أشباحا لنسك العارفين و سلوكهم سبيل الحق و خضوعهم و خشوعهم بالقلب الصافي و النية الخالصة و المودة الخفية.
و الشقية نفوس منغمرة في عالم الطبيعة منتكسة رءوسها لانكبابها إلى الشهوات و اللذات الحسية و التقلبات الحيوانية، فهي التي" كفرت بِأَنْعُمِ اللَّهِ" و صرفت قواها الشهوية و الغضبية في غير ما خلقت لأجله و ضلت ضلالا بعيدا و خسرت خسرانا مبينا.
و هي مع هذه الشقاوة الفاحشة غير خالية عن شوق و عشق إلى طلب الخير الأقصى و الحق الأعلى بحسب غريزتها و طبيعتها التي أشير إليها في الكلام الإلهي بقوله تعالى:" فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها."، و إن غيرت عما هي مفطورة عليه بقوله، بحسب اقتران الخطيئات و اغتراف السيئات. و في الحديث النبوي عليه و آله الصلاة و السلام:" كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه و ينصرانه و يمجسانه.".
تتميم
حكم التدبر في الأمور العالمية، مبدعة كانت أو كائنة عالية أو سافلة، يقتضي أن يكون لكل منها كمال يخصه و عشق عقلي أو طبيعي أو حيواني لذلك الكمال و شوقا طبيعيا أو إراديا إلى طلبه حيث فارقه رحمة من الحق الأول على سبيل العناية الخالي عن النقص و الشين،" ف لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ.".
فالكائنات البائدات كالسابقات البادئات على اغتراف عشق و شوق من هذا البحر الخضيم و استضاءة نور من هذا الواهب القديم.
و ما أحسن ما قيل!" صلت السماء بدورانها و الأرض برجحانها و الماء بسيلانه و المطر بهطلانه، و قد يصلي له و لا يشعر و لذكر الله أكبر.".
فذلك من عميم اللطف شكر
و هذا من رحيق الشوق سكر