المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٤٦
فصل في حكمته تعالى و جوده و غناه
حكمته إيجاد الموجودات على أحكم وجه و أتقنه، بحيث يترتب عليها المنافع و يندفع عنها المضار.
لأن الحكمة تطلق على أمرين: أحدهما العلم التصوري بتحقق ماهية الأشياء و التصديق بها باليقين المحض المتحقق. (المحقق- ع ق-) و الثاني الفعل المحكم بأن يكون نظما جامعا لكل ما يحتاج إليه من كمال مرتبة و لا شك أن الأول تعالى عالم بالأشياء على ما هي عليه علما هو أشرف أنواع العلوم.
لأن علمه بنظام الوجود هو مبدأ لنظام الكل كما سبق، و العلم الذي هو مبدأ الوجود أشرف من العلم المستفاد من الوجود.
و أما أفعاله فهي في غاية الأحكام، إذ" أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى" و أنعم عليه بكل ما هو ضروري و بكل ما هو زينة و تكملة، و إن لم يكن ضروريا بل فضيلة، كتقويس الحاجبين و تقعير أخمص القدمين و إنبات اللحية الساترة لتشيخ البشرة في الكبر، إلى غير ذلك من لطائف تخرج عن الحصر في الحيوان و الإنسان و جميع أجزاء العالم.
فأعطى كل شيء قوة يحفظ بها كماله الموجود، و قوة يتحرك بها إلى كماله المفقود.
و يكمل هذا بما أودع في كل منها من عشق ما هو كامل منها لكماله لينحفظ به كماله، و شوق ما هو ناقص منها إلى كماله الممكن في حقه، شوقا مناسبا لكماله لينجبر به نقصه.
و الشوق يتركب من لذة من حيث إدراك المشتاق إليه الذي هو أثر من الوصول، و من ألم من حيث إدراك فقدان حقيقته التي حصولها عين الوصول.
فكل من يكون إدراكه أتم يكون عشقه و شوقه أوفر.
و بالجملة، ملاك الأمر في نيل كل مطلوب العشق.