المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٣٨
و غير بقاء التخيل في الذكر، فلا ينبغي إنكاره لأجل عدم انحفاظه في الذكر.
و إذ قد علم أن الأفاعيل الإرادية لا يخلو عن غايات و دواع مرجحة، فما خلق مخلوق بإرادة جزافية، و خصوصا إذا كان من عظائم الأمور كالأفلاك و الكواكب و الأنواع المحفوظة من البسائط و المركبات بنفوسها و طبائعها.
بل مع إبطال الدواعي و الغايات و تمكن الإرادة الجزافية، كما عليه كثير من الكلاميين، لم يبق مجال للنظر و البحث، و لا اعتماد حينئذ على اليقينيات، لعدم الأمن عن ترتيب نقيض النتيجة على القياس البرهاني، إذ ربما يخلق في الإنسان حالة تريه الأشياء على غير ما هي عليها.
فإن قلت: كيف يكون علمه تعالى بنظام الخير، و هو عين ذاته، غاية و غرضا له تعالى في الإيجاد؟
و العلة الغائية كما صرحوا به هي ما يقتضي فاعلية الفاعل.
فيلزم منه أن يكون ذاته تعالى علة لذاته، و هذا محال.
قلت: كثيرا ما يطلقون الاقتضاء و الاستلزام و يريدون بهما المعنى الأعم، و هو مطلق عدم الانفكاك، اعتمادا على ما بينوا حاله في مقامه.
كيف، و لم يقم ضرورة و لا برهان على أن الفاعل و الغاية لشيء يجب أن يكونا متغايرين في الحقيقة، بل ربما لا يكونان كذلك.
فإن الفاعل هو ما يفيد الوجود. و الغاية هي ما يفاد لأجله الوجود، سواء كان نفس الفاعل أو أعلى منها.
و لو كانت الغاية قائمة بذاتها و كان يصدر منها أمر لكانت فاعلا و غاية.
فذات البارىء علة فاعلية، من حيث إنه يفيد وجود الأشياء.
و علة غائية، من حيث إن إفادته الوجود لأجل علمه بنظام الخير فيها الذي هو عين ذاته المعشوقة لذاته.
فإن قلت: الغاية بحسب الشيئية و السببية متقدمة على الفعل، و بحسب الوجود متأخرة عنه مترتبة عليه.
فلو كان البارىء تعالى غاية و فاعلا لسائر الأشياء يلزم أن يكون متقدما عليها و متأخرا