المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٢٣
بينهما من وجوه، فصحة المقايسة إنما هي باعتبار كون العقل البسيط و العلم الإجمالي مبدأ المعقولات الكثيرة التفصيلية مع عدم اتحاده بها، و كون علمه تعالى الذي هو عين ذاته خلاقا لفيضان تفصيل الحقائق العقلية مع اتحاده بها، كما ظنه فرفوريوس و قومه. إلا أن العقل البسيط الذي عندنا موجود في عقولنا، و هناك نفس وجوده، و معقولاتنا المفصلة متجددة زمانية واردة علينا شيئا بعد شيء، بعدية على التراخي، و هناك مرتبة ذاتية مجتمعة دهرية.
و المعقول البسيط هنا ليس علة تامة بل معدة لهذه التفاصيل و النفس قابلة لها، بخلاف ما هناك.
فعلى هذه الطريقة صور المعقولات عنده على وجه بسيط مقدس عن شوب القوة و الكثرة.
و أشبه الأمثلة في هذا الباب قول بعض الحكماء: لو كان للأوليات وجود في الأعيان لا في النفس، لأنها معان مجردة عن المادة، لكانت نسبتها إلى لوازمها كنسبة الأول إلى معلوماته.
فإن قلت: على ما ذكرت أيضا يلزم كونه تعالى في مرتبة ذاته غير عالم بشيء من الموجودات الخارجية.
قلت: إن أردت بقولك إنه غير عالم بغيره في مرتبة ذاته، أن ذاته في مرتبة ذاته ليس بحيث ينكشف له المعلومات، فهو غير مسلم و لا هو في نفسه صحيح، فإن كونه عاقلا للأشياء عين ذاته و إن كان كون الأشياء معقولة له عين ذواتها.
و إن أردت أن الممكنات المعلومة له ليست وجوداتها العينية و صورها العلمية واقعة في مرتبة وجوده أو داخلة في قوام ذاته، فهو ممنوع.
و لا يصح غير ذلك، فإن كل ما هو معقول له فهو معلول له سوى نفس ذاته المقدسة.
و المعلول كيف يساوق العلة في رتبة الوجود أو تقدم عليها؟
و كما أنه لا يلزم من إيجاده تعالى للأشياء كون وجودها في مرتبة ذاته، بل كونه بحيث يتبع وجوده و إيجاده وجود الأشياء و صدورها عنه فكذلك لا يلزم من عاقليته لها كون صورها العقلية في مرتبة ذاته، بل كونه بحيث يلزم إضافة العالمية لا غير. و الله أعلم بحقيقة الأمر.