المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١١١
و تقسيم العلم في أوائل المنطق إلى التصور و التصديق، إنما هو في العلوم التي هي غير علم المجردات بذواتها و غير العلم بالأشياء التي يكفي في العلم بها مجرد الإشراق الحضوري.
فإنها ليست من المدركات التصورية و التصديقية.
و المشاءون و غيرهم لما لم يتيسر لهم ما تيسر للشيخ الإلهي، و لم يظفروا بهذه القاعدة العظيمة، تراهم صاروا كالمبهوتين في علم الله تعالى.
فمنهم من نفاه و ضل ضلالا مبينا.
و منهم من جعله صورا معقولة قائمة بذواتها.
و منهم من قال باتحاد الواجب بالمعقولات.
و الشيخ الرئيس لما كان العلم بالغير عنده بالصور العقلية تراه في كتاب الشفا متحيرا في ذلك، فتارة يقول إن صور جميع الموجودات التي بها علم واجب الوجود تعالى لا يجوز أن يكون في ذاته الوحدانية.
و تارة يجعلها في بعض الموجودات.
و تارة يقول" فيكون في صقع من الربوبية.".
و لا يفهم أحد ما هذا الصقع الذي فيه صور جميع الموجودات.
و تارة يلتزم أن هذه الصور في ذات الواحد الحق، من غير لزوم تكثر، لأنها كثرة خارجة عن الذات لاحقة، لا داخلة في حقيقته.
و لما تفطن الشارح لكتاب الإشارات، و هو العلامة الطوسي رحمه الله، أن إثبات الصور في ذات الله تعالى قول فاسد و مذهب باطل، حاول طريقة أخرى لتصحيح مسألة العلم مع معاهدته نفسه على أن لا يخالف الشيخ.
فقال: العاقل كما لا يفتقر في إدراكه لذاته إلى صورة غير ذاته التي هو بها هو، كذلك لا يفتقر في إدراكه لما يصدر عن ذاته إلى صورة غير صورة ذلك الصادر الذي بها هو هو.
و اعتبر من نفسك أنك تعقل شيئا بصورة تتصورها أو تستحضرها، فهي صادرة عنك لا بانفرادك مطلقا بل بمشاركة ما من غيرك، و مع ذلك فأنت تعقلها بذاتها لا بصورة أخرى.