المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٠٩
فإذا لم يكن للوهم الذي هو رئيس سائر القوى الجزئية سبيل إلى إدراك نفسه و إدراك القوى الباطنة، فكذلك حال سائر المدارك الجزئية.
فالمدارك للقوى الخادمة و الجزئيات المرسومة فيها و الكليات المنتزعة عن تلك الجزئيات إنما هي النفس الناطقة بنفس تلك الأمور لا بصور أخرى.
و ذلك لاستقلالها و تجردها و كونها من عالم الأمر و أفق التأثير و تسلطها على البدن و قواه، لكونها مؤثرة فيه بالتحريك و التربية.
و كلما كانت أشد تجردا و أقوى سلطنة على البدن و قواها كان إدراكها أتم و حضور قواها عندها أشد و ظهور الصور الإدراكية لها أقوى.
و لو كانت ذات سلطنة على غير بدنها كما على بدنها لأدركته أيضا بمجرد الإضافة الإشراقية القهرية، من دون احتياج إلى قبولها لصورة ذلك الشيء و انفعالها عنها.
فالقبول جهة النقص، و القهر جهة الشرف.
و نحن إنما احتجنا إلى الصورة في بعض الأشياء كالسماء و الكواكب و غيرها لأن ذواتها كانت غائبة عنا غير مقهورة لنا فاستحضرنا صورها، حتى لو كانت هي حاضرة لنا كحضور آلاتنا لما احتجنا إلى صورة.
فإذا تحقق و تبين أن النفس غير غائبة عن ذاتها و لا عن قواها، و لا الصور المتمثلة في قواها محجوبة عنها و لا بدنها الجرمي مختلف عليها، لكونها نورا لذاتها، فالوجود البحت المتمجد الواجبي- إذ هو في أعلى مرتبة النورية و التجرد و التقدس عن شوب ما بالقوة، و له إضافة الجاعلية التامة إلى ما سواه، و له السلطنة العظمى و القهر الأتم و الجلال الأرفع-، لا جرم يعلم ذاته و يعلم العقول و الأجرام و قواها و ما يحلها و ما يتمثل لها بمجرد الإضافة المبدئية و الإحاطة الشهودية.
فكما أن علمه بذاته لا يزيد على ذاته، كذلك علمه بالأشياء غير زائدة على حضور ذواتها.
و العقول القادسة و الذوات الجرمية سواسية الحضور لديه و المثول بين يديه بذواتها و أعيانها حضورا عقليا نوريا.
و أيضا، قد سبق أن كل ما هو كمال مطلق للموجود من حيث هو موجود فيجب له تعالى.