المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٠٦
الكلية و الجزئية فائضة عنه، و هو مبدأ لكل وجود، عقليا كان أو حسيا، ذهنيا كان أو عينيا. و فيضانها عنه لا ينفك عن انكشافها لديه، كما مر ذكره.
فمن قال:" إن الواجب تعالى لا يعلم الجزئيات إلا على وجه كلي."، فقد بعد عن الحق بعدا كثيرا، و إن لم يلزم تكفيره، كما زعم بعضهم فإنه ما نفى عنه تعالى العلم بأمر من الأمور، بل إنما نفى عنه نحوا من أنحاء العلم الذي هو العلم الحضوري. و ليس هذا من ضروريات الدين.
و وصفه تعالى بالسميع و البصير، و إن كان من ضروريات الدين، لكن يمكن تأويله بالعلم بالمبصرات و المسموعات، كما فعله جماعة من المتكلمين.
و العجب من العلامة الطوسي مع تفطنه بذلك الأصل المتين و القاعدة القويمة التي أشرنا إليه، كيف لم يتم أعماله في انكشاف جميع الأشياء الصادرة عنه تعالى بذواتها.
بل اقتصر فيه على انكشاف العقول و الصور العقلية للأشياء الكلية و الجزئية عليه تعالى، و جعل الصور القائمة بالجواهر العقلية مناطا لعلم الله تعالى بالماديات، كما ستقف عليه و هو غير مرضي.
بل الحق اطراد الحكم بالانكشاف الشهودي على جميع الأشياء المبدعة و الكائنة المعقولة و المحسوسة سواء كانت ذوات العقلاء أو علومهم، و سواء كانت القوى الخيالية أو الحسية، أو إدراكاتها الخيالية أو الحسية.
فإن جميعها إنما يصدر عن الواجب تعالى منكشفة عنده، فلا يعزب عنه شيء من الأشياء، لا باعتبار الشهود العيني، و لا باعتبار الثبوت الذهني، كما قال الله تعالى:" لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ." إشارة إلى النحو الأول. و قال تعالى:" وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ." إشارة إلى النحو الثاني.
فإن قيل: فعلى ما ذكرت يلزم أن يكون للواجب علم لا يتغير، و هو علمه بالأمور المتقدمة على الزمان و الدهر. و علم يتغير، و هو علمه بالأمور الكائنة الفاسدة. و التغير في علمه تعالى مطلقا غير صحيح.