إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٤١ - فصل في حفظ اللَّه لنبيه
و خرج البخاري و مسلم من حديث روح بن عبادة قال: أخبرنا زكريا بن إسحاق، أخبرنا عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه عنه يحدث أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان ينقل معهم الحجارة للكعبة و عليه إزاره، فقال له العباس عمه: يا ابن أخي، لو حللت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة، قال:
فحله فجعله على منكبيه فسقط مغشيا عليه، قال: فما رئي بعد ذلك اليوم عريانا.
لفظهما فيه سواء [١].
و خرجا أيضا من حديث ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع جابر ابن عبد اللَّه يقول: لما بنيت الكعبة ذهب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و عباس ينقلان حجارة- و قال البخاري: الحجارة- فقال عباس للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم): اجعل إزارك على عاتقك- و قال
[٢]/ ٢٣٨، ترجمة رقم (٨٣٨).
و الحديث أخرجه البيهقي في (الدلائل) ٢/ ٣٠- ٣١، باب ما جاء في حفظ اللَّه عزّ و جلّ رسوله (صلى اللَّه عليه و سلم) في شبيبته عن أقذار الجاهلية و معايبها، لما يريد به من كرامته برسالته حتى بعثه رسولا، و زاد بقية الخير في الهامش و عزاها إلى ابن هشام في (السيرة) ١/ ١٩٧: «قال: فأخذته و شددته عليّ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي، و إزاري عليّ من بين أصحابي».
[١] حديث روح بن عبادة أخرجه البخاري و مسلم، و قد أورده الحافظ أبو نعيم في (الدلائل):
١/ ١٨٨- ١٨٩، الفصل الثالث عشر، باب: و مما عظّم به (صلى اللَّه عليه و سلم) و حرس منه أن لا يتعرى كفعل قومه و أهله، و إذا حفظ من التعري فما فوقه أولى أن يعصم منه، و ينهى عنه، حديث رقم (١٣٢):
قوله: «إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان ينقل معهم» أي مع قريش لما بنوا الكعبة، و كان ذلك قبل البعثة، فرواية جابر لذلك من مراسيل الصحابة، فإما أن يكون سمع ذلك من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بعد ذلك أو من بعض من حضر ذلك من الصحابة. و الّذي يظهر أنه العباس، و قد حدّث به عن العباس أيضا ابنه عبد اللَّه، و سياقه أتم. (فتح الباري): ١/ ٦٢٥، كتاب الصلاة، باب كراهية التعري في الصلاة و غيرها، حديث رقم (٣٦٤).
قوله: «عن جابر رضي اللَّه عنه» هذا الحديث مرسل صحابي، و قد قدمنا أن العلماء من الطوائف متفقون على الاحتجاج بمرسل الصحابي، إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني منه أنه لا يحتج به. و سميت الكعبة كعبة لعلوها و ارتفاعها، و قيل لاستدارتها و علوها.
قوله: «اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة» معناه ليقيك من الحجارة، أو من أجل الحجارة.
و العاتق ما بين المنكب و العنق، و جمعه عواتق و عتق، و هو مذكر و قد يؤنث.
قوله: «فخرّ إلى الأرض و طمحت عيناه إلى السماء»، معنى خرّ سقط، و طمحت بفتح الطاء و الميم، أي ارتفعت. و في هذا الحديث بيان بعض ما أكرم اللَّه سبحانه و تعالى به رسوله (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أنه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان مصونا في صغره عن القبائح و أخلاق الجاهلية. و جاء في رواية غير الصحيحين أن الملك نزل فشدّ عليه (صلى اللَّه عليه و سلم) إزاره. و اللَّه أعلم. (مسلم بشرح النووي): ٤/ ٢٧٣- ٢٧٤، كتاب الحيض، باب الاعتناء بحفظ العورة، حديث رقم (٧٦- (٣٤٠)).