إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ١٨٨ - فصل في ذكر شمائل رسول اللَّه
واحد يتقوون به، و وودي بني خزيمة و هم غير موثوق بإيمانهم، إذ وجب بأمر اللَّه ذلك.
و كان أكثر الناس إكراما لأصحابه، لا يمد رجليه بينهم، و يوسع لهم إذا ضاق بهم المكان، و لم تكن ركبتاه تتقدم ركبة جليسه، و كان له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا له، و إن أمر تبادروا لأمره، و كان يتحمل لأصحابه و يتفقدهم و يسأل عنهم، فمن مرض عاده [١]، و من غاب تفقده و سأل عنه، و من مات استرجع فيه و أتبعه الدعاء له، و من تخوّف أن يكون وجد في نفسه شيئا انطلق إليه حتى يأتيه في منزله.
و يخرج إلى بساتين أصحابه و يأكل ضيافتهم، و يتألف أهل الشرف، و يكرم أهل الفضل، و لا يطوي بشره عن أحد، و لا يجفو عليه، و يقبل [٢] معذرة المعتذر إليه، و الضعيف و القوي في الحق عنده سواء،
و لا يدع أحدا يمشي خلفه، و يقول:
خلّوا ظهري للملائكة،
و لا يدع أحدا يمشي معه و هو راكب حتى يحمله، فإن أبي قال: تقدمني إلى المكان الفلاني.
و يخدم من خدمه، و له عبيد و إماء لا يرتفع عنهم [في شيء] [٣] من مأكل و لا ملبس، قال أنس بن مالك رضي اللَّه عنه: خدمته نحوا من عشرين سنة، فو اللَّه ما صحبته في حضر و لا سفر إلا كانت خدمته لي أكثر من خدمتي له. و ما قال لي أف قط، و لا قال لشيء فعلته: لم فعلت كذا؟ و لا قال لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا [٤]؟!!
و كان (صلى اللَّه عليه و سلم) في سفر، فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول اللَّه، عليّ ذبحها و قال آخر عليّ سلخها، و قال آخر: عليّ طبخها. فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):
و عليّ جمع الحطب! فقالوا: يا رسول اللَّه، نحن نكفيك، فقال: قد علمت أنكم تكفوني، و لكني أكره أن أتميز عليكم، فإن اللَّه يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه و قام فجمع الحطب.
[١] في (خ) «عاداه».
[٢] في (خ) «و يقبل».
[٣] ما بين القوسين مطموس في (خ) و لعل الصواب ما أثبتناه.
[٤] في (خ) «و لا يحدق شيئا إلى الشيء» و ما أثبتناه أولى للسياق و المعنى.