إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٨٠ - فصل في ذكر بدء الوحي لرسول اللَّه
و كذا قال هرقل في مساءلته أبا سفيان: كيف هو فيكم؟ فقال أبو سفيان:
هو فينا ذو حسب، قال هرقل: و الرسل تبعث في أحساب قومها، و معناه أن تكون له عصبية و شوكة تمنعه من أذى الكفار حتى يبلغ رسالات ربه، و يتم مراد اللَّه من إكمال دينه و ملته.
و من علاماته أيضا وقوع الخوارق لهم شاهدة بصدقهم، و هي أفعال تعجز البشر عن مثلها، فسميت لذلك معجزة و ليست من جنس مقدور العباد، و إنما تقع في غير محل قدرتهم، و للناس في كيفية وقوعها و دلالتها على تصديق الأنبياء خلاف ليس هذا موضع إيراده.
و أما حقيقة النبوة: فاعلم أنّا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب و الإحكام، و ربط الأسباب بالمسببات، و اتصال الأكوان بالأكوان، و استحالة بعض الموجودات إلى بعض، لا تنقضي عجائبه، و لا تنتهي غاياته، و أبدأ من ذلك بالعالم المحسوس الجسماني، و أولا: عالم العناصر المشاهد كيف تدرج صاعدا من الأرض إلى الماء، ثم إلى الهواء، ثم إلى النار متصلا بعضها ببعض، و كل واحد منها مستعد أن يستحيل إلى ما يليه صاعدا أو هابطا، و يستحيل بعض الأوقات، و الصاعد منها ألطف مما قبله إلى أن ينتهي إلى عالم الأفلاك و هي ألطف من الكل، و على طبقات اتصل بعضها ببعض على هيئة لا يدرك الحس منها إلا الحركات فقط، و ما يهتدي بها بعضهم إلى معرفة مقاديرها و أوضاعها، و ما بعد ذلك من وجود الذات التي لها هذه الآثار فيها. ثم انظر إلى عالم التكوين، كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج [إلى] [١] آخر أفق المعادن، متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش و ما لا بذر له، و آخر أفق النبات مثل النخل و الكرم، متصل بأول أفق الحيوان كالحلزون و الصدف، و لم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط، و معنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد القريب لأن يصير أول أفق من الّذي بعده، و اتسع عالم الحيوان و تعددت أنواعه، و انتهى في تدرج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر، و الرؤية ترتفع إليه
[١] زيادة للسياق.