إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٧٧ - فصل في ذكر بدء الوحي لرسول اللَّه
ما قال، و أحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول»
و يدركه أثناء ذلك
[ ()] في (الفتح): و قال شيخنا شيخ الإسلام: ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه، بل يجوز أن يكون الآتي هو جبريل بشكله الأصلي، إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، و إذا ترك ذلك عاد إلى هيئته، و مثال ذلك القطن، إذا جمع بعد أن كان منتفشا، فإنه بالنّفش يحصل له صورة كبيرة، و ذاته لم تتغير، و هذا على سبيل التقريب، و الحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. و الظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول و لا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. و اللَّه أعلم.
قوله: [فيكلمني]، كذا للأكثر، و وقع في رواية البيهقي من طريق القعنبي عن مالك «فيعلمني» بالعين بدل الكاف، و الظاهر أنه تصحيف، فقد وقع في الموطأ رواية القعنبي بالكاف، و كذا للدارقطنيّ في حديث مالك من طريق القعنبي و غيره.
قوله: [فأعي ما يقول]، زاد أبو عوانه في صحيحه: «و هو أهونه عليّ». و قد وقع التغاير في الحالتين، حيث قال في الأول: «و قد وعيت» بلفظ الماضي، و هنا: «فأعي» بلفظ الاستقبال، لأن الوعي حصل في الأول قبل الفصم، و في الثاني حصل المكالمة، أو أنه كان في الأول قد تلبس بالصفات الملكية فإذا عاد إلى حالته الجبلّية كان حافظا لما قيل له، فعبر عنه بالماضي، فإنه على حالته المعهودة.
قوله: [قالت عائشة]، و حيث يريد التعليق يأتي بحرف العطف. و قد أخرجه الدار الدّارقطنيّ في حديث مالك من طريق عتيق بن يعقوب، عن مالك مفصولا عن الحديث الأول، و كذا فصلهما مسلم من طريق أبي أسامة عن هشام، و نكتة هذا الاقتطاع هنا، اختلاف التحمل، لأنها في الأول أخبرت عن مسألة الحارث، و في الثاني أخبرت عما شاهدت تأييدا للخبر الأول.
قوله: [ليتفصّد] بالفاء و تشديد المهملة، مأخوذ من الفصد، و هو قطع العرق لإسالة الدم، شبّه جبينه بالعرق المفصود مبالغة في كثرة العرق. و في قولها: «اليوم الشديد البرد» دلالة على كثرة معاناة التعب و الكرب عند نزول الوحي، لما فيه من مخالفة العادة، و هو كثرة العرق في شدة البرد، فإنه يشعر بوجود أمر طارئ زائد على الطباع البشرية.
قوله: [عرقا]، بالنصب على التمييز، زاد ابن أبي الزناد عن هشام بهذا الإسناد عند البيهقي في الدلائل: «و إن كان ليوحى إليه و هو على ناقته فيضرب حزامها من ثقل ما يوحى إليه». حكى العسكري في (التصحيف) عن بعض شيوخه أنه قرأ: «ليتقدّد» بالقاف، ثم قال العسكري: إن ثبت فهو من قولهم: تقصّد الشيء إذا تكسر و انقطع، و لا يخفى بعده.
و في حديث الباب من الفوائد: أن السؤال عن الكيفية لطلب الطمأنينة لا يقدح في اليقين، و جواز السؤال عن أحوال الأنبياء من الوحي و غيره، و أن المسئول عنه إذا كان ذا أقسام يذكر المجيب في أول جوابه ما يقتضي التفصيل. و اللَّه أعلم (فتح الباري): ١/ ٢٣- ٢٨، كتاب بدء الوحي باب (٣) حديث رقم (٢)، (ابن سعد في طبقاته): ١/ ١٩٨، (تحفة الأحوذي): ١٠/ ٧٨- ٧٩، أبواب المناقب، باب (٣٤) كيف كان ينزل الوحي على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، حديث رقم (٣٨٧٧)، (دلائل النبوة لأبي نعيم): ٢٢٣ باب و أما كيفية إلقاء الوحي إلي النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، حديث رقم (١٧١).