إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٥ - مقامة بالجعرانة
خطبة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)
يا معشر الأنصار! مقالة بلغتني عنكم؟ وجدة [١] وجدتموها في أنفسكم، أ لم آتكم ضلّالا فهداكم اللَّه؟ و عالة فأغناكم اللَّه، و أعداء فألف اللَّه بين قلوبكم؟ قالوا:
بلى! اللَّه و رسوله أمنّ و أفضل! قال: أ لا تجيبوني؟ قالوا: و ما ذا نجيبك يا رسول اللَّه؟ قال: أما و اللَّه لو شئتم قلتم فصدقتم: آتيتنا مكذّبا فصدّقناك! و مخذولا فنصرناك، و طريدا فآويناك، و عائلا فآسيناك! [و خائفا فأمّناك] [٢] وجدتم في أنفسكم يا مشعر الأنصار في شيء من الدّنيا تألّفت به قوما أسلموا و وكلتكم إلى إسلامكم؟ أ لا ترضون يا معشر الأنصار أن تذهب الناس [إلى رحالهم] [٢] بالشاء و البعير، و ترجعون برسول اللَّه إلى رحالكم؟ و الّذي نفسي بيده، لو لا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، و لو سلك [٣] الناس شعبا و سلكت الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار. أكتب لكم بالبحرين كتابا من بعدي تكون لكم خاصة دون الناس؟ قالوا: و ما حاجتنا بعدك يا رسول اللَّه؟ قال: إمّا لا فسترون بعدي أثره، فاصبروا حتى تلقوا اللَّه و رسوله، فإن موعدكم الحوض، و هو كما بين صنعاء و عمان، و آنيته أكثر من عدد النجوم. اللَّهمّ ارحم الأنصار و أبناء الأنصار [٤]!! فبكوا حتى أخضلوا لحاهم و قالوا: رضينا برسول اللَّه حظا و قسما. و انصرفوا [٥].
مقامة بالجعرانة
و أقام (عليه السلام) بالجعرّانة ثلاث عشرة ليلة. و خرج ليلة الأربعاء لثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة، و أحرم و لبّى حتى استلم الركن. و قيل: لما نظر إلى البيت قطع التلبية، و أناخ راحلته على باب بني شيبة، و طاف فرمل [٦] في الأشواط الثلاثة. و لما أكمل طوافه سعى بين الصفا و المروة على راحلته، ثم حلق رأسه عند المروة حلقه أبو هند عند بني بياضة، و قيل حلقه خراش بن أمية. و لم يسق هديا.
ثم عاد إلى الجعرّانة من ليلته، فكان كبائت بها.
[١] وجدة: من الموجدة و هي الغضب.
[٢] زيادة من كتب السيرة.
[٣] في (خ) «و لو لا سلك».
[٤] كذا في (ط)، في (خ)، و (الواقدي) ج ٣ ص ٩٥٨: (و أبناء أبناء الأنصار).
[٥] راجع (صحيح البخاري) ج ٣ ص ٦٩، ٧٠، ٧١.
[٦] رمل: هرول.