إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ١٩٨ - أما حسن خلقه
[ ()] نضحهم البساط لصلاة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دليل على أن الاختيار للمصلى أن يقوم في صلاته على أروح الحال و أمكنها، لا على أجهدها و أشدها، لئلا يشغله الجهد عما عليه من أدب الصلاة و خشوعها، كما أمر الجائع أن يبدأ بالطعام قبل الصلاة، خلاف ما زعم بعض المجتهدين، إذ زعم أن الاختيار له أن يقوم على أجهد الحال، كما سمع في بعض الأخبار أنهم لبسوا المسح إذا قاموا من الليل و قيدوا أقدامهم. [٢٥] و في صلاته في بيتهم ليأخذوا علمها دليل على جواز حمل العالم علمه إلى أهله: إذا لم يكن فيه على العلم مذلة، و أما روى في أن: «العلم يؤتى و لا يأتي»: إذا كانت فيه للعلم مذلة، أو كان من المتعلم على العالم تطاول. [٢٦] و فيه دلالة اختصاص لآل أبي طلحة، إذ صلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في بيتهم. [٢٧] و أخذهم قبلة بيتهم بالنص عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دون الدلائل و العلامات.
[٢٨] و في قوله: «و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا جاء مازحه»، ما يدل على أنه كان يمازحه كثيرا، و إذا كان كذلك كان في ذلك شيئان: [٢٩] أحدهما: أن ممازحة الصبيان مباح. [٣٠] و الثاني: أنها إباحة سنة لا إباحة رخصة، لأنها لو كانت إباحة رخصة لأشبه أن لا يكثرها، كما قال في مسح الحصى للمصلى: «فإن كنت لا بد فاعلا فمرة»، لأنها كانت رخصة لا سنة. [٣١] و فيه- إذ مازحه (صلى اللَّه عليه و سلم)- ما يدل على ترك التكبر و الترفع. [٣٢] و ما يدل على حسن الخلق. [٣٣] و فيه دليل على أنه يجوز أن يختلف حال المؤمن في المنزل من حاله إذا برز، فيكون في المنزل أكثر مزاحا، و إذا خرج أكثر سكينة و وقارا- إلا من طريق الرياء- كما روي في بعض الأخبار: كان زيد بن ثابت من أفكه الناس إذا خلا بأهله، و أزمتهم عند الناس. [٣٤] و إذا كان ذلك كما و صفنا ففيه دليل على أن ما روي في صفة المنافق أنه يخالف سرّه علانيته ليس على العموم، و إنما هو على معنى الرياء و النفاق، كما قال جل ثناؤه: وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ. [٣٥] و في قوله: «فرآه حزينا»: ما يدل على إثبات التفرس في الوجوه. و قد احتج بهذا المعنى بعض أهل الفراسة بما يطول ذكره. [٣٦] و فيه دليل على الاستدلال بالعبرة لأهلها، إذ استدل (صلى اللَّه عليه و سلم) بالحزن الظاهر في وجهه على الحزن الكامن في قلبه، حتى حداه على سؤال حاله.
[٣٧] و في قوله: «ما بال أبي عمير؟» دليل على أن من السنة إذا رأيت أخاك أن تسأل عن حاله.
[٣٨] و فيه دليل- كما قال بعض أهل العلم- على حسن الأدب بالسنة في تفريق اللفظ بين سؤالين:
فإذا سألت أخاك عن حاله قلت: مالك؟ كما
قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) من حديث أبي قتادة: «مالك يا أبا قتادة؟»
و إذا سألت غيره عن حاله قلت: ما بال أبي فلان؟ كما
قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في هذا الحديث: «ما بال أبي عمير؟».
[٣٩] و في سؤاله (صلى اللَّه عليه و سلم) من سأل- عن حال أبي عمير- دليل على إثبات خبر الواحد.
[٤٠] و فيه دليل على أنه يجوز أن يكنى من لم يولد له، و قد كان عمر بن الخطاب يكره ذلك حتى أخبر به عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم). [٤١] و في قوله: «مات نغيره الّذي كان يلعب به»: تركه النكير بعد ما سمع ذلك (صلى اللَّه عليه و سلم) دليل على الرخصة في اللعب للصبيان. [٤٢] و فيه دليل على الرخصة للوالدين في تخلية الصبي و ما يروم من اللعب إذا لم يكن من دواعي الفجور، و قد كان بعض الصالحين يكره لوالديه أن يخلياه. [٤٣] و في دليل على أن إنفاق المال في ملاعب الصبيان ليس من أكل المال بالباطل، إذا لم يكن من الملاهي المنهية. [٤٤] و فيه دليل على إمساك الطير في القفص. [٤٥] و قصّ جناح الطير لمنعه من الطيران، و ذلك أن لا يخلو من أن يكون النغيرة التي كان يلعب بها في قفص أو نحوه، من شدّ رجل أو غيره، أو أن تكون مقصوصة الجناح، فأيهما كان المنصوص، فالباقي قياس عليه، يكره.